فرنسا: المحكمة العليا تغلق قضية بيسيسرو نهائياً

فرنسا: المحكمة العليا تغلق قضية بيسيسرو نهائياً

أقرت محكمة النقض الفرنسية، وهي أعلى سلطة قضائية في الدولة، يوم الأربعاء التاسع من سبتمبر عام 2026، قرار الرفض الصادر عن محكمة الاستئناف في باريس، والمتعلق بطلب إجراء تحقيقات إضافية لكشف أي مسؤولية محتملة للسلطات الفرنسية. وقد تم هذا الإقرار في إطار القضية المتعلقة بإبادة ما يقارب ألف شخص من التوتسي في منطقة بيسيسرو غرب رواندا، خلال الفترة الممتدة بين السابع والعشرين والثلاثين من يونيو عام 1994.

كان الجنود الفرنسيون التابعون لعملية «الترمسق» منتشرين بالقرب من موقع المجزرة، لكنهم لم يتدخلوا لإنقاذ الضحايا. وقد تقدم بعض الناجين، بمساعدة الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (فيد)، ورابطة حقوق الإنسان الفرنسية، ومنظمة «سورفي»، بشكوى في عام 2005 اتهموا فيها السلطات الفرنسية بالتواطؤ في الإبادة الجماعية بسبب التقصير في واجب التدخل.

استندت محكمة النقض في حكمها إلى أن الأمر يدخل ضمن «السلطة التقديرية لسجلايا التحقيق»، مشيرةً إلى طبيعة التحقيقات الشاملة التي أجراها القضاة المستقلون. وأشار المحامون المدنيون إلى أن محكمة الاستئناف اعتبرت أن التقصير في واجب العمل يتطلب نية للتواطؤ مع الجاني الرئيسي، وهو ما يتعارض مع سوابق محكمة النقض التي لا تشترط مشاركة المتواطئ في النية الإجرامية للجاني الأساسي.

رغم تأكيد محكمة النقض على سوابقها القضائية الراسخة، إلا أنها لم تطبقها فعلياً في الحكم النهائي. وقد أعرب رافائيل دوريدانت من منظمة «سورفي» عن استيائه، قائلاً إن المحكمة أقرت إنهاء التحقيق رغم عدم إفراز أرشيفات حاسمة تحتوي على أوامر صادرة من باريس للسلطات القضائية، وعدم استدعاء مسؤولين كبار مثل الأدميرال جاك لانكساد والجنرال كريستيان كوسنو والمؤرخ فنسان دوكليرت وخبير الشؤون الخارجية هوبير فيدرين.

وأضاف دوريدانت أن المحاولة لإثبات المسؤولية في العاصمة الفرنسية فشلت تماماً، رغم اعتراف محكمة النقض بأن العسكريين في الميدان لا يمكنهم التصرف دون تلقي أمر محدد من قيادتهم، أي من وزارة الدفاع. وهذا يعكس فجوة بين الاعتراف الرسمي بالهيكلية العسكرية وبين تطبيق المساءلة القانونية عليها.

من جانبه، صرح باتريك بودوان، المستشار القانوني لكل من فِيد ورابطة حقوق الإنسان، بأنهم كانوا يتوقعون من محكمة النقض أن تستنتج النتائج الضرورية بناءً على سوابقها الخاصة بالتواطؤ، وأن تنقض حكم محكمة الاستئناف. وأكد أنهم لم يجادلوا أبداً في أن الجيش الفرنسي شارك في نية مرتكبي الإبادة، بل لاحظوا فقط أنهم فشلوا في تنفيذ ولايتهم لوقف المذابح لأسباب غير معروفة.

ويحتفظ الناجون من مجزرة بيسيسرو والمنظمات المساندة لهم بحق رفع القضية إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبرين أن الحقوق الأساسية للناجين قد انتهكت. وتشمل هذه الانتهاكات تقصيراً في التحقيق، وفشلاً في تحديد المسؤولية خاصة فيما يتعلق بالقادة العسكريين والمدنيين، ومنع الوصول إلى أرشيفات حاسمة، وعرقلة مستمرة لكشف الحقيقة.

وتأتي هذه الخطوة القانونية الأخيرة بعد سنوات طويلة من المعاناة والنضال القضائي الذي شنه الناجون ومحاموهم للمطالبة بالعدالة. وتظل القضية شاهداً على تعقيدات المساءلة الدولية في حالات الكوارث الإنسانية التي تقع تحت رقابة قوات دولية.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.