محاكمة بن سدرين تعمق الانقسام السياسي والحقوقي بتونس

شارك

أحداث اليوم

فتحت الأحكام القضائية الصادرة بحق رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين فصلا جديدا من الجدل حول طبيعة المسار القضائي في تونس وحدود استقلاله، في سياق سياسي متوتر تتداخل فيه ملفات العدالة الانتقالية مع صراع السلطة والمعارضة.

فقد قضت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية في تونس العاصمة بسجن بن سدرين لمدة 25 عاما، على خلفية ما اعتبرته المحكمة تجاوزات رافقت إدارة هيئة الحقيقة والكرامة، إلى جانب ملف البنك الفرنسي التونسي.

وشملت الأحكام عددا من الأسماء السياسية والاقتصادية، من بينهم مبروك كرشيد وخالد الكريشي وسليم شيبوب، في قضية تتشابك فيها الاعتبارات القانونية مع خلفيات سياسية معقدة.

بن سدرين رفضت هذه الأحكام بشكل قاطع، واعتبرت أن الجهة القضائية التي أصدرتها تفتقر إلى الشرعية القانونية لمحاكمة هيئة دستورية أُنشئت في إطار مسار العدالة الانتقالية.

يعكس هذا الموقف رؤية قطاع من الفاعلين الحقوقيين الذين يرون أن التعامل مع إرث الهيئة يجب أن يتم ضمن آليات دستورية واضحة، وليس عبر محاكمات جنائية تقليدية.

في المقابل، ينظر معارضو الرئيس قيس سعيّد إلى هذه القضية باعتبارها مؤشرا إضافيا على تراجع المسار الديمقراطي، ويربطونها بسلسلة من المحاكمات التي طالت شخصيات سياسية وحقوقية منذ 2021.

ويرى هذا التيار أن غياب مؤسسات دستورية أساسية، مثل المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، يقوض شروط المحاكمة العادلة ويضعف الثقة في استقلال القضاء.

ضمن هذا السياق، يصف محللون ما جرى بأنه استهداف رمزي لمسار العدالة الانتقالية برمته، باعتبار أن هيئة الحقيقة والكرامة مثلت إحدى أبرز أدوات كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها بعد الثورة. ويرون أن محاكمة قيادات هذا المسار تحمل دلالات تتجاوز الأشخاص إلى تقييم كامل لمرحلة الانتقال الديمقراطي.

في المقابل، يدافع مؤيدو السلطة عن هذه الأحكام باعتبارها تطبيقا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويؤكدون أن القضاء يستند إلى نصوص قانونية سارية منذ ما بعد الثورة، وليس إلى إجراءات استثنائية.

يركز هذا الطرح على أن المحاسبة يجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء، وأن الجدل حول الهيئة لم يكن وليد اللحظة بل رافق عملها منذ تأسيسها.

كما يشير هذا الاتجاه إلى أن الانتقادات الدولية للوضع الحقوقي في تونس تفتقر إلى الحياد، ويربطها بحسابات سياسية خارجية، في حين يعتبر أن محاكمة شخصيات سبق أن دعمت السلطة تمثل دليلا على عدم وجود انتقائية في تطبيق القانون.

تعكس هذه القضية عمق الانقسام داخل المشهد التونسي، حيث تتقاطع روايتان متعارضتان حول العدالة والشرعية. وبينما يرى طرف أن ما يحدث تصحيح لمسار اختل، يراه آخر تقويضا لما تحقق من مكاسب ديمقراطية. وفي ظل هذا التباين، يستمر الجدل مفتوحا حول مستقبل العدالة الانتقالية ومكانة القضاء في معادلة الصراع السياسي في تونس.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً