في العاصمة اللبنانية بيروت، استضافت فعاليات مؤتمر «خبز ونت» الذي انطلق في الرابع عشر من أكتوبر الجاري واستمر حتى السادس عشر منه، جلسة حوارية بارزة قدمتها منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة». وقد ركزت هذه الجلسة على العلاقة الوثيقة بين التحولات السياسية في سوريا والحقوق الرقمية، مسلطة الضوء على ضرورة دمج حماية البيانات في مسار العدالة الانتقالية. جاء ذلك في إطار جهود المنظمة لتأطير النقاشات حول مستقبل الحوكمة الرقمية في مرحلة ما بعد النظام السابق.
شاركت في الجلسة نخبة من الخبراء والمختصين، حيث ترأسها المدير التنفيذي للمنظمة بسام الأحمد، إلى جانب القاضي رياض علي، الخبير والمستشار القانوني الأول، ومسؤول الأمن والحماية في المؤسسة. وقد حضر الحدث عدد كبير من المتحدثين والمشاركين من خلفيات متنوعة تشمل التقنية والصحافة والأوساط الأكاديمية وصناع السياسات، مما أتاح مساحة واسعة للنقاش التفاعلي حول التحديات الراهنة.
ناقشت الورشة كيفية تمكين الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة السلطوية من إعادة تصميم منظوماتها الرقمية بما يضمن حماية الحقوق الأساسية. وشدد المشاركون على أن غياب استراتيجية واضحة للحوكمة الرقمية قد يؤدي إلى نقل أدوات المراقبة القديمة إلى المرحلة الجديدة، حتى مع تغير البنية السياسية للدولة، مما يستدعي مراجعة شاملة لمنع تكرار انتهاكات الماضي.
استعرض بسام الأحمد في مداخلته التسلسل الزمني للتحولات السياسية في سوريا عقب سقوط النظام في ديسمبر 2024، بدءاً من مؤتمر الحوار الوطني في فبراير 2025 والإعلان الدستوري المؤقت في مارس من العام نفسه. كما تطرق إلى تشكيل الهيئات الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين في مايو 2025، وصولاً إلى محاكمة رموز النظام السابق وإصدار أحكام في أغسطس 2026.
أكد الأحمد أن الحقوق الرقمية لا تقتصر على حرية التعبير، بل تتقاطع مع ركائز العدالة الانتقالية مثل إنصاف الضحايا وكشف الحقيقة. ولفت إلى أن النقاشات السابقة ركزت على الوثائق الورقية التي تعرضت للتلف، بينما غابت الأدلة الرقمية المخزنة على الخوادم وتسجيلات الكاميرات، مما يهدد فرص كشف الحقيقة وتحديد هويات الجناة والضحايا بدقة.
دعا المتحدث إلى إنشاء أرشيف رقمي وطني يضم الوثائق والشهادات والصور، يتيح الوصول إليها وفق ضوابط تحمي الخصوصية. وأكد أن هذا الأرشيف يجب أن يسهم في حفظ الذاكرة الوطنية ومواجهة إنكار الجرائم، مشدداً على أن العدالة الانتقالية الرقمية تتطلب بناء قواعد لحفظ البيانات وحماية الخصوصية ومحاسبة من يسيء استخدامها.
خلصت الجلسة إلى ثلاث توصيات رئيسية تتمثل في إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي، وحماية الأرشيفات والبيانات الموروثة، وبناء حوكمة رقمية تتمحور حول الإنسان. واختتمت بالتأكيد على ضرورة تغيير القواعد التي تحكم بيانات الدولة وأدوات مراقبة المواطنين، لضمان محاسبة من يسيء استخدام هذه الأدوات مستقبلاً.
في سياق متصل، أعلنت المنظمة إطلاق مشروع «Digital Bridges» كمبادرة مستقلة ومنصة استشارية تهدف إلى دعم التحول الرقمي الآمن في المجتمعات المحلية وبيئات التعافي. تجمع المبادرة بين الخبرة التقنية وتحليل السياسات والأمن السيبراني، وتستجيب للاحتياجات المتزايدة في مرحلة إعادة البناء.
تركز أنشطة المشروع على أربعة مجالات هي الحوكمة والسياسات الرقمية، والأمن والدفاع السيبراني، والحقوق والحريات الرقمية، والتكنولوجيا والمجتمع. تسعى الرؤية إلى جعل المبادرة رائدة إقليمياً في قيادة تحول رقمي آمن ومستدام، بينما تهدف الرسالة إلى تحويل المعرفة التقنية المعقدة إلى استراتيجيات عمل وأدوات حماية فعّالة للمجتمعات.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.