وقف أطفال في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة يقرأون ديباجة ميثاق الأمم المتحدة بلغاته الرسمية الست أمام ممثلي الدول الأعضاء، في مشهد رمزي استعاد لحظة تأسيس النظام الدولي، تزامنا مع مرور واحد وثمانين عاما على توقيع الميثاق في 26 حزيران يونيو.
جاءت هذه القراءة أمام نسخة مكبرة حملت عنوان ميثاق الأمم المتحدة 80، والتي فتحت للتوقيع خلال الأيام الماضية قبيل الاحتفال الرسمي الذي أقيم تحت شعار تعبير متجدد عن التزامنا الجماعي بمقاصد الميثاق ومبادئه، بينما رفع إحياء الذكرى هذا العام شعار أفضل معا ميثاق واحد ومستقبل واحد.
وقعت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على النسخة الرمزية، في خطوة تعكس تأكيدا سياسيا ومعنويا على مركزية الميثاق في النظام الدولي المعاصر.
أكدت بيربوك في كلمتها أن مسؤولية الدول لا تقتصر على الاحتفاء بالميثاق، بل تمتد إلى الدفاع عنه في سياق دولي تتعرض فيه مبادئ الأمم المتحدة لضغوط وهجمات متزايدة. وشددت على أن هذا الدفاع يتحقق من خلال الممارسة اليومية داخل مؤسسات المنظمة، بما يثبت أن الالتزامات التي أقرت في سان فرانسيسكو لا تزال قائمة وفاعلة.
استعادت المناسبة السياق التاريخي لتوقيع الميثاق عام 1945 في مدينة سان فرانسيسكو، قبل دخوله حيز التنفيذ في تشرين الأول أكتوبر من العام نفسه بعد مصادقة الدول الموقعة. ومنذ ذلك الحين، شكل الميثاق إطارا قانونيا ملزما ينظم العلاقات الدولية ويحدد التزامات الدول الأعضاء.
في محور التعددية، شددت بيربوك على أن النقاشات الجارية بشأن جدوى الأمم المتحدة لا تعكس فشلها، بل الحاجة إلى تطوير أدائها. وأوضحت أن القصور لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لإضعاف النظام متعدد الأطراف، مؤكدة أن التعددية تظل أداة فعالة في مواجهة التحديات العالمية.
من جانبه، وصف غوتيريش الميثاق بأنه وعد تاريخي باختيار التعاون وسيادة القانون والكرامة الإنسانية بدلا من الفوضى والخوف. وأقر بأن المنظمة لم تبلغ الكمال، لكنها تظل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في عالم تتزايد فيه الأزمات المشتركة.
حذر الأمين العام من محاولات الانكفاء الوطني باعتبارها بديلا عن التعاون الدولي، مؤكدا أن هذا التوجه لا يوفر الأمان بل يعمق الهشاشة. وشدد على أن مبادئ الميثاق غير قابلة للتجزئة أو الانتقاء، وأن الالتزام بها يشكل شرطا لاستقرار النظام الدولي.
دعا غوتيريش إلى إصلاح يعزز دور الأمم المتحدة بدلا من تقليصه، مؤكدا أن العمل المرتبط بالميثاق لم يكتمل بعد، وأن مسؤولية استكماله تقع على عاتق الدول والمجتمعات من خلال تجديد الالتزام بالسلام والعدالة.
في مداخلة شبابية، قدمت مريم عبد السلام سوليكا رؤية تعكس موقف جيل جديد من الفاعلين، حيث اعتبرت أن الميثاق يمثل أساسا للسلام، رغم ما تعرض له من تقويض من قبل بعض الدول. وأكدت أن الأمل يشكل قوة مضادة للخوف، وأن المجتمعات ترفض الاستسلام لخطابات الإحباط.
دعت سوليكا إلى إشراك الشعوب في جهود إعادة بناء السلام، معتبرة أن الالتزام الحقيقي بالميثاق يمر عبر تفعيل دوره في حياة الناس، وليس الاكتفاء بإطاره الرمزي.
تعكس هذه الفعالية محاولة لإعادة تأكيد مركزية ميثاق الأمم المتحدة في لحظة دولية تتسم بتصاعد النزاعات وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، ما يضع التزام الدول بمبادئه أمام اختبار متجدد.





