اعتمدت ورقة بحثية حديثة منهج دراسة الحالة لتحليل انتقال أربع قضايا صحفية من مرحلة التحقيق الأولي إلى محكمة الموضوع، بهدف رصد ما إذا كان هذا الانتقال الإجرائي قد أحدث تغييراً فعلياً في المركز القانوني للصحفيين أو في ضمانات الدفاع المتاحة لهم. وتتناول الورقة تحديداً قضايا كلٍ من خالد ممدوح، وحمدي الزعيم، وأشرف عمر، وياسر أبو العلا، حيث اختيرت هذه الحالات لأنها تمثل نماذج واقعية انتقلت بالفعل إلى مرحلة المحاكمة، مما يتيح تتبع الآثار المترتبة على ذلك بدقة.
استندت الدراسة إلى مقابلات شبه مهيكلة أجراها الباحثون عن بُعد عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي خلال شهري يونيو ويوليو 2026 مع خمسة محامين يمثلون المتهمين في القضايا محل الدراسة، بالإضافة إلى التواصل المباشر مع أفراد أسر الصحفيين المحبوسين. ركزت هذه المقابلات على تتبع المسار الإجرائي لكل قضية منذ لحظة القبض وحتى قرار الإحالة، مع التركيز على طبيعة التحقيقات، وتطور الاتهامات الموجهة، وإجراءات تجديد الحبس الاحتياطي، وتقييم المحامين لمدى تأثير الإحالة عملياً على أوضاع موكليهم وضمانات دفاعهم.
شهد عامي 2025 و2026 موجة واسعة من إحالة قضايا أمن الدولة العليا إلى المحاكم الجنائية، بعد فترات متفاوتة من الحبس الاحتياطي شملت عدداً من الصحفيين الذين ظلوا رهن الاحتجاز لسنوات طويلة قبل أن تنتقل قضاياهم إلى مرحلة المحاكمة الفعلية. ورغم أن قرارات الإحالة تنقل القضية إلى جهة قضائية مختلفة يفترض أنها تتسع فيها ضمانات الدفاع وتخضع استمرار الاحتجاز لرقابة محكمة الموضوع، إلا أن الانتقال الفعلي للدعوى لا يعني بالضرورة تحقق هذه الضمانات في التطبيق العملي، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول انعكاسات الإحالة الحقيقية على المركز القانوني للمتهمين.
جاءت هذه الموجة من الإحالات في سياق أوسع بدأت نيابة أمن الدولة العليا في تفعيله بصورة ملحوظة منذ أواخر عام 2024. ووفقاً لرصد نشره موقع «زاوية ثالثة»، أحالت النيابة 138 قضية إلى المحاكمة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 وحتى يناير 2025، وشملت هذه الإحالات أكثر من ثمانية آلاف متهم، ليُوصف هذا العدد بأنه الأكبر من نوعه منذ عام 2013.
وتوزعت القضايا المحالة على سنوات مختلفة تراوحت بين 2017 و2024، مما يشير إلى أن الموجة الحالية شملت التصرف في عدد كبير من القضايا التي ظلت قيد التحقيق لفترات ممتدة دون حسم. وفي هذا السياق الأوسع، جاءت إحالة قضايا الصحفيين التي تتناولها الورقة، والتي كانت جزءاً من ملف مستمر على أجندة المنظمات الحقوقية ونقابة الصحفيين طوال السنوات الأخيرة.
وقد رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير وجود ما لا يقل عن 16 صحفيًا محبوسًا احتياطياً، تجاوز بعضهم عامين دون إحالتهم إلى المحاكمة، كما تم استخدام ما يُعرف بـ«إعادة التدوير» لإبقاء بعض الصحفيين رهن الاحتجاز على ذمة قضايا جديدة. وكان محور مطالب النقابة والمنظمات الحقوقية يتمثل في إنهاء الحبس الاحتياطي المطول والإفراج عن الصحفيين، نظراً لأن الأزمة الأساسية تكمن في استمرار التحقيقات لسنوات دون الوصول إلى مرحلة المحاكمة.
ومع عام 2025، شهد هذا المسار تحولاً جوهرياً بإحالة عدد من القضايا المعلقة إلى المحاكم الجنائية، ليصبح الملف لا يقتصر على صحفيين محبوسين على ذمة التحقيق فحسب، بل يشمل أيضاً صحفيين أُحيلت قضاياهم إلى محاكم الجنايات. ولم يكن هذا التحول منفصلاً عن البيئة القانونية التي جرت فيها ملاحقة الصحفيين، والتي أتاحت التعامل مع وقائع النشر والتعبير من خلال نصوص تتجاوز نطاق جرائم النشر التقليدية.
واعتمدت ملاحقة العديد من الصحفيين على توجيه اتهامات مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ويكشف ذلك عن تعارض في الإطار القانوني، فرغم حظر الدستور المصري توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تقع بطريق النشر كأصل عام، فإن نصوصاً متفرقة في قوانين العقوبات ومكافحة الإرهاب وجرائم تقنية المعلومات تتيح الحبس في وقائع قد يكون جوهرها نشر رأي أو معلومة.
وضعت منظمة «مراسلون بلا حدود» مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مشيرة إلى تدهور المؤشر القانوني واستخدام تشريعات الأمن القومي في تقييد العمل الصحفي. وفي مواجهة هذا التحول، تقدم نقيب الصحفيين المصري خالد البلشي في يناير 2025 بمذكرة إلى النائب العام طالب فيها بالإفراج عن الصحفيين المحبوسين احتياطياً، خاصة ممن تجاوزوا الحد الأقصى للحبس، استكمالاً لمخاطبات سابقة لضمان مثولهم أمام المحكمة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.