أصدر فريق من الخبراء ملاحظة تقديم مشتركة للتشاور العام حول مسودة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في لبنان لعام 2032، مقدّمين تقييماً شاملاً للنص المقترح. أشاد التقرير بكون المسودة طموحة ومنظمة بدقة، متجاوزةً كونها مجرد رؤية إعلانية فارغة، إذ تحدد نتائج قابلة للقياس، وتعين الجهات المسؤولة عنها، وتوفر بنية تنفيذية واضحة. كما أشار النص إلى أن التحول الرقمي يُعد الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل فعال ومستدام.
بيد أن التحدي الأكبر يكمن في قابلية التطبيق العملي على أرض الواقع. ينبغي أن تنطلق الاستراتيجية النهائية من واقع لبنان الحالي كدولة دستورية تضم مؤسسات قائمة وصلاحيات قانونية محددة، مع فصل واضح بين السلطات، بينما تواجه قيوداً مالية وبنيوية حادة على مستوى الخدمات العامة. لذلك، يجب أن تعرض خطة الانتقال نتائج واقعية للسنة الأولى المقترحة، مؤكدةً أن التكنولوجيا تخدم الاحتياجات العامة والإصلاح المؤسسي ولا تصبح غاية في حد ذاتها.
كما أوصى التقرير بضرورة أن تتضمن الاستراتيجية النهائية إجراء تقييمات للمخاطر تتناسب مع طبيعة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المخاطر المتعلقة بحقوق الإنسان، والجوانب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وأشارت الاستراتيجية أيضاً إلى أن المبادرات والجهات المسؤولة عنها هي مجرد أمثلة توضيحية وتخضع لموافقة الوزارات المعنية، مما يستدعي توضيح الالتزامات الملزمة مقابل الاسترشادية في النص النهائي.
وتتمثل التوصية الجوهرية في أن يتبع النموذج المؤسسي الاستراتيجية، لا أن يسبقها. فمشروع القانون الخاص بإنشاء وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (المرسوم رقم 1286 الصادر في 19 سبتمبر 2025) يمنح وزارةً واحدةً صلاحيات وضع السياسات، والتنظيم، والتنفيذ مجتمعةً، في حين تُسند الاستراتيجيةُ هذه الأدوارَ إلى هيئاتٍ منفصلة. وإذا ما أُقرَّ القانون أولاً، فإن أحكامه الملزمة ستكون لها الأولوية في حال تعارضها مع الاستراتيجية.
بناءً عليه، نصح الخبراء بأن تطلب الحكومة من البرلمان تأجيل النظر في مشروع القانون إلى حين اعتماد مجلس الوزراء للاستراتيجية النهائية. ومن ثم، يمكن للحكومة اقتراح تعديلاتٍ تضمن مواءمة مشروع القانون مع الاستراتيجية النهائية، فيما يتعلق بتحديد الجهات المنوط بها وضع السياسات، والتنفيذ، والتنظيم، والرقابة.
أكدت الاستراتيجية صراحةً أنها استراتيجية وطنية وليست مجرد خطة عمل لوزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، قائمةً على فصل المهام؛ إذ تتولى الوزارة وضع السياسات والتشريعات والتمثيل الدولي، بينما تعمل الهيئة اللبنانية التنفيذية لتطبيق الذكاء الاصطناعي كذراع تنفيذية تتبع مباشرةً رئاسة مجلس الوزراء.
في المقابل، تغيب هيئة حماية البيانات عن الهيكل المؤسسي الوارد في الصفحة 21 رغم ذكرها كركيزة أساسية. أما مسودة القانون فتتبنى نهجاً مغايراً، إذ تمنح المادة الأولى منها وزارةً واحدةً صلاحيات تنظيمية ورقابية وتنفيذية واستراتيجية مجتمعة، مما يجعل تطبيق النصين معاً بصيغتهما الحالية أمراً متعذراً.
وينطبق المنطق ذاته على إنشاء مؤسسات جديدة، حيث ينبغي أن توضح الاستراتيجية الأسباب التي تجعل إنشاء هيئة جديدة خياراً أفضل من إصلاح أو تحويل هيئة قائمة لتصبح وكالة تنفيذية دائمة. فلا ينبغي استحداث مؤسسات جديدة إلا إذا استدعت ذلك مهامٌ جديدةٌ كلياً أو ضرورةٌ تفرض الاستقلالية.
إن منطق الإدارة المعتمد في الاستراتيجية مفيد ضمن سلسلة التنفيذ الإجرائية، غير أن تعميم نموذج عقود الأداء ليشمل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء والهيئات التنظيمية المستقلة يتعارض مع الصلاحيات الدستورية. ويجب أن تحتفظ الهيئات التنظيمية القطاعية باستقلاليتها القانونية، وأن يعزز إصلاح القطاع الرقمي هذه الاستقلالية لا أن يقوضها.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.