يناقش مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في مقال رأي حديث، الظاهرة الخطيرة المتمثلة في التعود التدريجي على التنازل عن الحقوق والحريات الأساسية، وكيف يتحول هذا التراجع المستمر إلى واقع مألوف لدى الشعوب. يشير الكاتب إلى استعارة الضفدع في المختبر، الذي لا يقفز عند ارتفاع الحرارة فجأة، بل يتكيف معها تدريجياً حتى يصبح ما كان خطراً أمراً قابلاً للتحمّل، مشيراً إلى أن تآكل الحريات يحدث غالباً عبر خطوات صغيرة تبدو مؤقتة أو ضرورية.
يوضح النص أن التحول الكبير لا يحدث في لحظة صادمة واحدة، بل يتسلل عبر إجراءات تُقدّم كاستثناءات، ثم تصبح قواعد مع الوقت. عندما تضيق مساحة الحرية، قد يبرر الناس ذلك بالظروف الطارئة، وعندما تُضعف المؤسسات الرقابية، يُستدعى مفهوم الاستقرار. ومع كل تأجيل للاعتراض، ينخفض سقف المقبول، ويتحول التراجع من أمر مرفوض إلى مجرد تحدٍ لقدرتنا على الاحتمال، دون أن ندرك أننا غيّرت معايير حكمنا على الواقع.
ويؤكد المقال أن هذه الآلية لا تقتصر على الحريات السياسية، بل تمتد لتشمل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، حيث تتراجع جودة التعليم والصحة وتصبح أساسيات الحياة أكثر صعوبة. في كل مرة، يُطلب من الناس تقبل هذا التراجع ككلفة طبيعية للظروف، مما يؤدي إلى تراكم التنازلات. والخطر الأكبر يكمن في فقدان الإحساس بأن هذه المكتسبات كانت حقاً أصيلاً، لتتحول إلى امتيازات نحتاج للشكر عليها، وفقدان الشعور بفقدان الحق ذاته.
ويتحول المجتمع، بمرور الوقت، من مقاومة الانتهاك إلى التفاوض معه، حيث يصبح الدفاع عن الحرية الكاملة مثالية غير واقعية، بينما يُعتبر القبول بما تبقى «واقعية». ويذكر الكاتب مقولة بنجامين فرانكلين التي تحذر من أن من يتخلى عن الحرية الأساسية مقابل أمان مؤقت لا يستحق ни الحرية ولا الأمان، مشيراً إلى أن منطق التنازل الأول يسهل تبرير التنازلات اللاحقة باسم الاستقرار أو الظروف الاستثنائية.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن مقاومة التراجع يجب أن تبدأ عند أول انتقاص للحقوق، وليس بعد ضياعها بالكامل. فالمجتمعات الحية هي تلك التي تحافظ على قدرتها على التمييز بين التنازل الضروري المؤقت والتراجع الذي يعيد تشكيل المستقبل. وينبه إلى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس فقط انتزاع حريته، بل وصوله لمرحلة لا يشعر فيها بحجم الخسارة لأن حدود الطبيعي تغيرت.
وفي السياق التونسي، يشير النص إلى أن الخسارة ليست في المؤسسات فحسب، بل في مساحة الحرية التي تتيح الاختلاف والنقد دون خوف، والاحتكام للقانون بدلاً من القوة. وما كان يحتاج إلى تبرير بالأمس لم يعد كذلك اليوم، وما كان مستحيلاً أصبح احتمالاً واقعياً. لكن الوعي بما خسرناه يبقى بداية للدفاع عما تبقى واستعادة الحقوق قبل أن يصبح التراجع قدراً محتوماً.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.