واشنطن تفرض عقوبات على مؤسسات حقوقية فلسطينية

واشنطن تفرض عقوبات على مؤسسات حقوقية فلسطينية

أكد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن الولايات المتحدة تواصل دعم نظام الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي القائم على الفصل العنصري، مستخدمةً الحماية الدبلوماسية وتوفير الأسلحة لتمكين إسرائيل من ارتكاب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني. وفي 4 سبتمبر 2025، عمقت واشنطن هذا التواطؤ في الجرائم الدولية المرتكبة بحق الفلسطينيين، من خلال فرض عقوبات قاسية على ثلاث مؤسسات حقوق إنسان رائدة تعمل في مجال تحقيق المساءلة فيما يخص الجرائم المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وتشمل المؤسسات المستهدفة مؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. ووفقاً للأمر التنفيذي رقم 14203، الذي يجيز فرض هذه العقوبات التعسفية، تستهدف الولايات المتحدة هذه المؤسسات بسبب انخراطها المباشر في الجهود التي تبذلها المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع مواطنين إسرائيليين أو توقيفهم أو احتجازهم أو محاكمتهم، دون موافقة إسرائيل.

ويتجاهل الأمر التنفيذي السياق الذي تعمل فيه هذه المؤسسات في الأرض الفلسطينية المحتلة، والخاضعة لنظام استعماري استيطاني قائم على الفصل العنصري واحتلاله غير القانوني. ويعمل هذا النظام على قمع الشعب الفلسطيني بما يخدم الأجندة الصهيونية الإسرائيلية الرامية إلى محو الشعب الفلسطيني، ويعد ضمان عدم إجراء تحقيقات حقيقية وجادة في الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني أحد العناصر الأساسية لهذا القمع.

وبموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي صادقت عليه الآن قرابة ثلثي دول العالم، تتحمل الدول المسؤولية الأساسية عن التحقيق في الجرائم الدولية. ولا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تتدخل إلا عندما تكون الدول غير قادرة أو غير راغبة في تنفيذ ذلك. ويُعد الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة مثالًا نموذجيًا على عدم الرغبة في التحقيق والمقاضاة، وبالتالي فإن تطبيق مبدأ التكاملية يعد ضروريًا في هذا السياق.

وقد صادقت دولة فلسطين على نظام روما الأساسي وقبلت اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وعلى خلاف ما يوحي به الأمر التنفيذي رقم 14203، فإن موافقة إسرائيل ليست ضرورية لكي تواصل المحكمة الجنائية الدولية تحقيقها في الجرائم المشمولة بنظام روما الأساسي في إطار الحالة في دولة فلسطين.

وتتمثل مهمة العقوبات الأمريكية المفروضة على مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية في ضمان الإفلات من العقاب للولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، والقضاء على إمكانية تطبيق سيادة القانون الدولي. وإلى جانب «الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة»، أو ما يسمى بخطة ترامب ذات النقاط العشرين، التي تسهل ضم قطاع غزة من قبل جهات أجنبية من خلال ما يسمى «مجلس السلام»؛ تعكس هذه العقوبات القمعية الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل وتواطؤ الولايات المتحدة في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

وتؤكد المؤسسات الموقعة على خطورة العقوبات الأمريكية المفروضة على المجتمع المدني، والمحكمة الجنائية الدولية وموظفيها، وخبراء الأمم المتحدة، ليس على فلسطين فحسب، بل على العدالة الدولية برمتها. ومن الضروري الوقوف في وجه هذه العقوبات والتصدي لها، ورفض احتمال أن تفرض الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل نسختهما الخاصة من نظام عالمي منفلت من الضوابط على بقية العالم، وهو أمر مرفوض تمامًا.

ومن دون إجراءات إنفاذ فعّالة وذات مغزى، يصبح القانون الدولي العام أجوف وفارغًا من مضمونه. وإضافة إلى الضغوط الناجمة عن العقوبات الأمريكية، تواجه المحكمة الجنائية الدولية تهديدًا بسبب انسحاب دول أعضاء، من بينها مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي تدعي أن المحكمة تخضع لهيمنة الدول الغربية. وقد هدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة ستفكك المحكمة الجنائية الدولية «لبنةً لبنة».

كما أعلنت تشاد وفنزويلا انسحابهما عقب تهديدات دبلوماسية أمريكية بخفض المساعدات أو سحبها خلافًا لذلك. ومن الضروري حماية المحكمة الجنائية الدولية وضمان قدرتها على ممارسة ولايتها الأساسية. وفي وقت أصبحت فيه الانتهاكات المتكررة والخطيرة للقانون الدولي العام أمرًا روتينيًا في عدد كبير جدًا من الولايات القضائية، لا يمكن أن يكون هناك حياد في هذه المسألة. إذ إن الفشل في التحرك لمواجهة سياسة الولايات المتحدة التخريبية يعادل التواطؤ مع مرتكبي الجرائم الدولية.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.