فيروس “كورونا”: ما اكتشفتُه خلال ثلاثة أسابيع في مركز للحجر الصحي في غزة 

كتبت عبير المصري، مساعدة أبحاث في غزة لدى “هيومن رايتس ووتش”:

 

هذا الأسبوع، أعلنت سلطات حماس عن أول حالات التفشي المجتمعي لفيروس “كورونا” داخل قطاع غزة وفرضت إغلاقا لمدة 48 ساعة على كامل الشريط الساحلي الضيق. أثار الإعلان القلق في جميع أنحاء غزة بشأن احتمال تفشٍ ذي أبعاد كارثية للفيروس.

بالنسبة لي، تذكرت عند سماع هذا الخبر الشعور الذي اعتراني في إحدى الأمسيات منذ عدة أشهر، عندما نزلت من حافلة في مدينة غزة، وقلبي يخفق بشدة وأنا أستعد لدخول مركز مؤقت للحجر الصحي. كنت قد سافرت في فبراير/شباط خارج غزة بتصريح إسرائيلي نادرا ما يصدر لحضور اجتماعات مع “هيومن رايتس ووتش”. في طريق العودة، علِقت في عمان لأكثر من شهرين مع إغلاق الحكومات حدودها استجابة لتفشي وباء كورونا.

غبار وصراصير

حصلت أخيرا على تصريح للعودة إلى غزة، وقضيت في ذلك اليوم من رمضان وأنا صائمة، 12 ساعة سفر طويلة قطعت خلالها المسافة بين عمان ومدينة غزة والتي لا تزيد عن 150 كيلومتر. بينما كنا نقف في طابور خارج فندق متداعٍ اعتُمد كمركز مؤقت للحجر الصحي وحيث سنقضي الأسابيع الثلاثة المقبلة، انقطع التيار الكهربائي ليذكرني بأنني عدت إلى الديار.

منذ مارس/آذار، فرضت سلطات حماس المسؤولة عن غزة على السكان العائدين إلى القطاع قضاء 21 يوما في الحجر الصحي في مراكز تخضع لإشرافها.

بعد تسجيلنا، اصطحبني رجال أمن يرتدون كمامات وقفازات مع خمس نساء أخريات لم ألتق بهن من قبل إلى “الغرفة 1206″، والتي تتألف في الواقع من غرفتين بسيطتين فيهما ست مراتب على الأرض، وحمامين وشرفة وضعت فيها مرتبتان إضافيتان. خدمة الهاتف والإنترنت فيها كانت ضعيفة، ولم يكن هناك تلفزيون أو تكييف أو ثلاجة. الغبار كان يملأ المكان وعيناي كانتا تتابعان الصراصير التي كانت تتحرك بسرعة من حولي. أخبرنا الضباط أنه لا يمكننا مغادرة الغرفة 1206 تحت أي ظرف من الظروف.

ناشدتهم أن يوفروا لنا غرفا منفصلة، أو على الأقل غرفة أنظف، لكن دون جدوى. اتصلت بأسرتي وتوسلت إليهم والدموع تملأ عينيّ لأرى ما إذا كان بإمكانهم إخراجي من هنا. قالوا لي إنه ليس في وسعهم فعل شيء. أدركت حينها أن لا خيار لدي سوى الاستسلام لهذا الواقع الجديد.

في تلك الليلة، باشرنا نحن الستة بتنظيف المكان وعملنا بلا هوادة حتى الساعة 1:30 صباحا. لم نتوقف إلا قبل الفجر لتناول السحور، إحدى وجبتَيْ الطعام الأساسيتَيْن في رمضان. كان المكان حارا ومزدحما ولم أكن قد تعرّفت جيدا بالأخريات حينها، لذلك جررت مرتبتي إلى الشرفة ونمت هناك. فكرة الاضطرار إلى تمضية ثلاثة أسابيع في هذه الظروف أبقتني مستيقظة حتى ساعات الصباح الباكر.

بعد 21 يوما

استيقظت في اليوم التالي منهكة تحت أشعة الشمس الحارقة مع صداع شديد وألم في عينيّ. عندما تمكنت من فتح عينيّ، أدركت أن لدي إطلالة رائعة على البحر الأبيض المتوسط وشاهدت مجموعة من الصيادين في قواربهم. نظرت إلى السماء وهمس صوت ما بداخلي، “سيكون كل شيء على ما يرام.”

في غياب ما يسليني، قضيت الأيام التالية أحاول التعرف أكثر على النساء الأخريات وكيف انتهى بهن المطاف في الغرفة 1206. أخبرتني إحداهن (26 عاما)، سأسميها إيمان، أنها تقدمت ولسنوات بطلبات للحصول على تصريح لزيارة خطيبها في الضفة الغربية لكن السلطات الإسرائيلية رفضت طلباتها دون تفسير.

أخيرا، وفي تموز/ يوليو 2019، حصلَت على تصريح بالمغادرة إلى الأردن، وليس إلى الضفة الغربية المحتلة، وبعد فترة وجيزة زارها خطيبها مع عائلته هناك. اضطروا بعدها إلى العودة إلى الضفة الغربية وباءت جهود إيمان لإيجاد طريقة للبقاء معه في الضفة بالفشل. وسط حالة من التخبط وبعدما أغلقت الحكومات الحدود، شعرت في مايو/أيار أن لا خيار لديها سوى العودة إلى غزة، يعتريها يأس عميق، وغير موقنة إذا ما كانت سترى خطيبها مرة أخرى.

أمضينا نحن الستة ساعات معا على تلك الشرفة، نحتسي الشاي ونتبادل قصصا عن حياتنا في ظل الإغلاق الذي تفرضه إسرائيل والواقع اليومي الخانق في غزة. وفي الوقت الذي نكن فيه نواسي بعضنا البعض، كنت أقضي وقتي في تأمل البحر أو إلقاء الطعام للقطط الجائعة تحت الشرفة، أو في قراءة كتاب خلال احتساء فنجان من القهوة متأملة في مسيرتي الشخصية.

من زنزانة صغيرة إلى سجن في الهواء الطلق

على تلك الشرفة، أدركت فجأة كم كنا محظوظات. أعيش في مكان لا يُسمح فيه لأي شخص تقريبا بالسفر بسبب  الحظر المعمم على السفر الذي فرضته إسرائيل، ولم يتسنّ أبدا لبعض المقرّبين مني مغادرة هذا القطاع المحاصر الذي لا تزيد مساحته عن 360 كيلومتر مربع والذي يُدعى غزة. لكن ها نحن عائدين بعد زيارة بلدان أخرى.

في مكان يعتمد فيه 80٪ من السكان على المساعدات الإنسانية، ويعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، وتقارب فيه نسبة البطالة 50٪، لدي وظيفة. في مكان فقد فيه الآلاف منازلهم أو أحباءهم أثناء الهجمات الإسرائيلية المسلحة على غزة، كان لدي منزل أعود إليه بعد رفع إجراءات الإغلاق وأسرة مُحبّة تنتظرني.

بعد 22 يوما، غادرت مركز الحجر الصحي لأعود إلى العزلة التي يعيشها جميع سكان غزة تحت إغلاق إسرائيل المشدد المستمر منذ 13 عاما، والذي تُفاقمه القيود المصرية على حدودها مع غزة. أشعر وكأنني انتقلت من زنزانة صغيرة إلى سجن في الهواء الطلق، لكن التجربة جعلتني أكثر تصميما من أي وقت مضى على مواصلة عملي حتى يتمكن أشخاص مثل إيمان من التمتع يوما ما بحقهم الأساسي في التنقل بحرية، كي تتمكن من العيش مع خطيبها في وطنها.

قد يعجبك ايضا