قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا إن الانتشار الواسع لانعدام وثائق الهوية القانونية بين الأطفال السوريين، وخاصة الذين ولدوا منذ عام 2011، هو “من بين أخطر تداعيات إرث النزاع في سوريا”. جاء ذلك خلال حلقة نقاش رفيعة المستوى أقيمت في جنيف برعاية مشتركة مع الحكومة السورية، حيث أكدّت العضوة منية عمار أن الحق في الهوية ليس مسألة إدارية ثانوية، بل هو “الحق الذي يفتح باب كل الحقوق الأخرى”.
وشددت عمار على أن المساواة هي إحدى الأركان التي يقوم عليها “أي مجتمع يسعى إلى السلم والأمن الاجتماعي والتقدم”. وأوضحت أن غياب حقوق هؤلاء الأطفال “هو نتيجة بنيوية لتفاعل النزاع مع التمييز القائم على النوع الاجتماعي”، نظرا لأن الجنسية السورية لا تنقل إلا عبر الأب، مما يوقع الطفل في فراغ قانوني عند غيابه. وأكدت أن الطفل الذي وُلد في الحرب لم يختر الاختفاء القسري لأبيه أو الزواج غير المسجل لأمه، لكنه وحده يدفع الثمن في التعليم والصحة والكرامة.
وأكدت عمار أن حرمان الأم السورية من القدرة على تسجيل أطفالها ونقل جنسيتها إليهم “هو في جوهره تمييز قائم على النوع الاجتماعي ينتقل أثره إلى الطفل، ويتضاعف على البنت، ويرسخ حرمانا يتوارثه جيل بعد جيل”. وأشارت إلى أن قانون الجنسية لعام 1969 يتعارض مع التزامات سوريا الدولية، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، مشيرة إلى أن الإصلاحات القانونية لا تكفي بمفردها دون تغيير في الممارسة والثقافة.
وقدمت الوزيرة السورية للشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات قصة مريم، وهي أم من درعا نازحة مع طفليها بعد فقدان زوجها، لتجسد الواقع المرير الذي خلفته الحرب. وأوضحت أن زواج مريم لم يُوثق رسمياً، وبموجب القوانين العتيقة، لا يمكنها منح جنسيتها لأطفالها، فأصبحوا غير مرئيين للدولة رغم أنهم عالمها بأكمله، مما يضطر الأسر اليائسة أحيانا لتسجيل أطفالهم بأسماء أقارب للحصول على الرعاية.
واعتبرت قبوات أن هذه القصة تعكس معارك مضنية تخوضها الأرامل والنساء لضمان وجود أطفالهن القانوني، داعية إلى إقرار فترة سماح قانونية لتصحيح الأوضاع بطريقة آمنة. وأكدت أن حكومتها تعمل على إصلاح شامل للأنظمة التشريعية والقضائية والإدارية، مع وجود مقترح للموافقة يسمح للأمهات بمنح الجنسية لأطفالهن وفق شروط محددة حتى لا يعاقب أي طفل لعدم وجود أب.
كما تطرقت الوزيرة إلى محنة الأطفال المولودين لمقاتلي تنظيم داعش، مؤكدة أنهم لم يختاروا آباءهم ولا ينبغي أن يتحملوا مسؤولية خياراتهم. وشددت على أن إثبات الولادة والنسب والزواج والجنسية مسائل منفصلة، ولا ينبغي أن يؤدي تعذر إثبات إحداها إلى إلغاء وجود الطفل، مجددة دعوة دول المنشأ للمشاركة في تحمل المسؤولية تجاه هؤلاء الأطفال.
وأضافت قبوات أن الصراع ترك ندوبا عميقة في المجتمع السوري، وأن التعافي لن يقاس بما نعيد بناءه من حجارة، بل بمدى قدرتنا على حماية الفئات الأكثر ضعفا. ولفتت إلى عزم الحكومة بناء نظام يضمن لكل طفل هوية مصانة ويمنح كل أم سورية الحق القانوني في منح أطفالها وطنا، مؤكدة أن التحولات القانونية تؤكد لسوريا أن أطفالها ينتمون إليها ومعترف بهم في وطنهم.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أحداث اليوم اعتماداً على ما تنشره منظمات حقوق الإنسان.