أحداث اليوم
قالت منظمة العفو الدولية ‘أمنستي’ في تقرير حقوقي جديد إن الجيش الإسرائيلي اعتمد سياسة أوامر الإخلاء الجماعي بشكل ممنهج لتهجير المدنيين اللبنانيين من منازلهم قسراً. واعتبرت المنظمة أن هذه الممارسات تشكل خرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة، مشددة على أن هذه الأفعال قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب نظراً لطبيعتها القسرية والواسعة.
وكشف التقرير عن توسع ملحوظ في نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث ارتفعت مساحة المناطق المشمولة بأوامر الإخلاء من نحو 5% من إجمالي مساحة لبنان في أواخر عام 2024 لتصل إلى 6% بحلول أبريل 2026. وأشار التحليل إلى أن هذه الأوامر لم تكن مجرد إجراءات احترازية مؤقتة، بل تحولت إلى وسيلة لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في المناطق المستهدفة.
وسلطت المنظمة الضوء على ما أسمته ‘منطقة عدم العودة’ في الجنوب اللبناني، والتي امتدت لتغطي مساحة تصل إلى 600 كيلومتر مربع. وتضم هذه المنطقة نحو 68 قرية حدودية، حيث يمنع الجيش الإسرائيلي السكان من العودة إليها رغم المطالبات الدولية، ودون تقديم أي ضمانات حقيقية لسلامة المدنيين الذين أجبروا على الرحيل.
وبحسب البيانات التي حللها مختبر أدلة الأزمات التابع للمنظمة، فإن الثقل الأكبر لأوامر الإخلاء تركز في جنوب لبنان بنسبة بلغت 75% من إجمالي الأوامر الصادرة. في حين توزعت بقية الأوامر بين الضاحية الجنوبية لبيروت بنسبة 15%، ومنطقة البقاع بنسبة 5%، مما يعكس استهدافاً شاملاً للبنى التحتية والكتل السكانية في هذه المناطق.
ووثقت ‘أمنستي’ عمليات تدمير واسعة النطاق طالت قرى بأكملها بعد إخلائها، مؤكدة أن هذا التدمير المتعمد جرى في مناطق مُنع سكانها من العودة إليها بشكل قطعي. وأوضحت أن هذه العمليات استمرت حتى بعد الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، مما يشير إلى نية مبيتة لفرض واقع أمني جديد على حساب حقوق المدنيين.
إن الرسالة الأساسية للتقرير تتمثل في ضرورة تطبيق وقف إطلاق النار على أرض الواقع، والانسحاب الإسرائيلي الفوري من جميع الأراضي اللبنانية، والسماح بعودة جميع النازحين إلى منازلهم.
وفي سياق متصل، طالبت الباحثة في المنظمة سحر مندور بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الفوري من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة لضمان عودة آمنة للنازحين. وشددت مندور على أهمية تعويض المتضررين عن الخسائر الجسيمة التي لحقت بممتلكاتهم الخاصة وبناهم التحتية، معتبرة أن حرمان السكان من أراضيهم الزراعية يمثل ضربة قاضية لسبل عيشهم.
وأظهرت المقابلات التي أجرتها المنظمة مع عشرات النازحين أن الغالبية العظمى منهم لا يزالون غير قادرين على الوصول إلى منازلهم بعد مرور أشهر طويلة على إخلائها. وأفاد النازحون بأن السلطات الإسرائيلية أصدرت أكثر من 61 أمراً صريحاً يمنع العودة، مما حول حياتهم إلى رحلة نزوح مستمرة في ظل ظروف معيشية قاسية للغاية.
ووصفت المنظمة الوضع الإنساني في جنوب لبنان بأنه ‘كارثة فعلية’، حيث تفتقر مراكز الإيواء الحالية للقدرة على استيعاب أكثر من 10% من إجمالي النازحين. ويعيش مئات الآلاف في مدارس ومبانٍ مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، وسط استمرار القصف والتحذيرات العسكرية التي تفاقم من حدة الأزمة الإنسانية.
من جانبه، حاول الجيش الإسرائيلي نفي فرض حظر دائم على عودة المدنيين، إلا أن تصريحات وزير الأمن يسرائيل كاتس جاءت لتؤكد بقاء القوات في المناطق المخلاة. وأشار كاتس إلى أن السيطرة العسكرية ستستمر في بعض القرى الحدودية، وهو ما يتناقض مع الادعاءات الرسمية الإسرائيلية بشأن طبيعة العمليات العسكرية في تلك المناطق.
وختاماً، تشير إحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية إلى أن عدد النازحين تجاوز المليون شخص، معظمهم من سكان القرى الجنوبية التي تعرضت لعمليات إخلاء قسري. وتؤكد هذه الأرقام حجم المأساة التي خلفها النزاع المستمر، وسط مطالبات دولية بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية حقوق المدنيين في العودة والتعويض.





