هيومن رايتس: تراجع التمويل يقوّض التعليم والرعاية الصحية في مصر

قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن الحكومة المصرية قوّضت بشدة الحق في كل من التعليم والرعاية الصحية من خلال عدم تخصيص إنفاق كافٍ، ما يخرق التزاماتها بموجب الدستور والمعايير الدولية. تتقاعس الحكومة عن ضمان التعليم الابتدائي المجاني لكل طفل والرعاية الصحية الجيدة المُتاحة للجميع.

ساهم نقص التمويل في عجز حاد في عناصر الخدمة وارتفاع التكاليف. إذ تعاني مصر من نقص مئات آلاف الفصول الدراسية والمعلمين، بينما يعاني نظام الرعاية الصحية من انخفاض الرواتب، ونسبة غير كافية من الأطباء إلى السكان، وعجز في 75 ألف ممرضة وممرض. تدفع الأسر رسوم المدارس وتكاليف العلاج من مالها الخاص، كما تدفع غالبية نفقات الرعاية الصحية من مالها الخاص، ويدفع الأطباء والطبيبات شخصيا ثمن المستلزمات الطبية الأساسية للمستشفيات.

قال عمرو مجدي، باحث أول في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “تتقاعس الحكومة المصرية منذ سنوات عن ضمان حقوق التعليم والصحة للجميع بشكل كافٍ، كما يتضح من النقص المزمن في التمويل. عدم توفير التمويل الكافي للصحة والتعليم يدل على اللامبالاة الفادحة من الحكومة تجاه حقوق مواطنيها”.

وجدت تحليلات هيومن رايتس ووتش أن الإنفاق على التعليم في مصر استمر بالانخفاض على مدى السنوات الخمس الماضية، سواء من حيث القيمة المعدلة بحسب التضخم أو كنسبة مئوية من إجمالي الإنفاق الحكومي والناتج المحلي الإجمالي. كما انخفض الإنفاق على الرعاية الصحية في الغالب من حيث القيمة المعدلة بحسب التضخم، لكنه تقلب كنسبة مئوية من إجمالي الإنفاق والناتج المحلي الإجمالي.

في السنة المالية 2025/2026، التي بدأت في 1 يوليو/تموز، اقترحت الحكومة ميزانية للتعليم، نالت موافقة برلمانية، قدرها 315 مليار جنيه مصري (حوالي 6.3 مليار دولار أمريكي)، ما يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي المصري وحوالي 4.7% من الإنفاق الحكومي. وجد تحليل هيومن رايتس ووتش أن هذه أقل نسبة مئوية من الميزانية المخصصة للتعليم منذ العام 2019 على الأقل. بعد التعديل بحسب التضخم، وجدت هيومن رايتس ووتش أن الإنفاق على التعليم انخفض 10% عن 2024/2025، وهو أقل بنسبة 39% عن 2013/2014 أو 2014/2015 حين تولى عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية.

يلزم الدستور المصري لعام 2014 الحكومة بإنفاق 6% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم. توصي المعايير الدولية السائدة بأن يكون الإنفاق 4 إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي و15 إلى 20% على الأقل من الإنفاق العام. وفق حسابات هيومن رايتس ووتش، فإن إنفاق مصر في 2025-2026 كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يضعها ضمن أدنى 12% بين جميع البلدان ذات الدخل المتوسط المنخفض، حيث تنفق أقل مما تنفقه 88% من البلدان المماثلة.

ميزانية الصحة للعام الحالي البالغة 245 مليار جنيه (حوالي 4.9 مليار دولار أمريكي) تعادل 1.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي المصري و3.6% من إجمالي الإنفاق الحكومي. وجدت هيومن رايتس ووتش أن الميزانيات من 2021/2022 إلى 2025/2026 تراوحت بين 1 و1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ولم تبلغ قط ولو نصف الحد الأدنى البالغ 3% الذي ينص عليه الدستور.

بعد التعديل بحسب التضخم، فإن الإنفاق الصحي في 2025/2026 أعلى 2% فقط عن العام السابق، ويظل أقل 4% عن 2022/2023. عند أخذ النمو السكاني في الاعتبار، يظل الإنفاق للفرد ثابتا على مدى السنوات الثلاث الماضية.

كما أن الإنفاق الصحي في مصر أقل بكثير من المعايير الدولية. تضمن “إعلان أبوجا” لعام 2001، الذي وقّعت عليه مصر، تعهدا بتخصيص 15% من الإنفاق الحكومي للصحة. وقد قدّرت “منظمة الصحة العالمية” أن توفير التغطية الصحية الشاملة، أحد العناصر الهامة للحق في الصحة، يتطلب عموما أن تنفق الحكومات 5 إلى 6% على الأقل من ناتجها المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية، أي أربعة إلى خمسة أضعاف المخصصات المصرية الحالية. وقد اعتمدت مصر في العام 2018 “قانون نظام التأمين الصحي الشامل”، وهو تشريع في غاية الأهمية، الذي يهدف إلى تحقيق التغطية الكاملة بحلول 2030.

كما في السنوات السابقة، ادعت الحكومة زورا أن ميزانيتها لعام 2025/2026 استوفقت الحد الأدنى الدستوري للإنفاق على الصحة والتعليم، من خلال احتساب بنود لا علاقة لها بالإنفاق في الميزانية، مثل خدمة الديون. في العام 2022، أنفقت مصر على خدمة ديونها الخارجية للفرد أكثر من ضعف ما أنفقته على الرعاية الصحية.

وقد وجدتهيومن رايتس ووتش سابقا أن انخفاض التمويل في مصر يقوض التعليم بشكل خطير، مما يثير مخاوف كبيرة بشأن حقوق الإنسان. وقد اعترفت الحكومة بنقص مئات آلاف المعلمين والفصول الدراسية. وتفرض المدارس الحكومية رسوما رمزية، يتم الإعفاء منها لبعض الطلاب ذوي الدخل المحدود، ما ينتهك التزام مصر بموجب الدستور والقانون الدولي لحقوق الإنسان بتوفير التعليم الابتدائي المجاني.

في 2019، أنفقت الأسر التي لديها أطفال في المدارس كمعدل 10.4% من دخلها على التكاليف المدرسية. ونتيجة سوء التعليم الحكومي الذي يعاني نقصا مزمنا في التمويل، يدفع العديد من أولياء الأمور الأعلى دخلا تكاليف الدروس الخصوصية، ما يفاقم عدم المساواة القائمة على مستوى الدخل.

كذلك يواجه نظام الرعاية الصحية المصري، الذي يعاني من نقص التمويل، تحديات كبيرة. وتثير الاتجاهات المتدهورة في البلاد بشأن عدد من المؤشرات المهمة للرعاية الصحية مخاوف كبيرة بشأن الحق في الصحة.

يعاني نظام الرعاية الصحية عجزا مزمنا وحادا في الموارد. أفاد أطباء وطبيبات بأنهم يدفعون من جيوبهم ثمن المستلزمات الطبية الأساسية مثل القفازات والخيوط الجراحية. وقد أقر الرئيس عبد الفتاح السيسي في السنوات الأخيرة بأن رواتب الأطباء في مرافق الرعاية الصحية العامة، التي تحددها الحكومة، غير كافية للاحتفاظ بالكوادر المؤهلة، معزيا ذلك إلى نقص الموارد.

ويساهم انخفاض تمويل الرعاية الصحية العامة في تزايد عدد الممرضات/الممرضين والطبيبات/الأطباء الذين يغادرون البلاد، ما يفاقم نقص خدمات الرعاية الصحية. ووفقا لـ “نقابة الأطباء”، استقال 11,536 طبيبا وطبيبة من القطاع العام بين 2019 ومارس/آذار 2022. وهاجر حوالي 7 آلاف طبيب وطبيبة مصريين للعمل في الخارج في العام 2023 وحده.

بلغت نسبة الأطباء إلى السكان في مصر 6.71لكل 10 آلاف شخص في العام 2020، وهي أقل بكثير من الحد الأدنى الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية البالغ 10. وجدت دراسة مستقلة أجريت العام 2024 بشأن الأطباء المصريين العاملين في الخارج أن انخفاض الأجور، وسوء ظروف العمل، ونقص المعدات والمستلزمات الطبية من بين الأسباب التي دفعتهم إلى المغادرة. كما تعاني مصر نقصا يبلغ75 ألف ممرضة وممرض، وفقا لرئيسة “النقابة العامة للتمريض”.

وقدرت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 57% من نفقات الرعاية الصحية في مصر دُفعت من المال الخاص في 2023. تؤدي التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم إلى تفاقم التفاوت في الرعاية الصحية من خلال خلق حواجز أمام الحصول على الرعاية الصحية بناءً على القدرة على الدفع. في العام 2024، صادق الرئيس السيسي على “القانون رقم 87” بشأن المنشآت الصحية، الذي يسمح لمستثمري القطاع الخاص بإدارة المستشفيات الحكومية وتشغيلها، وهو أحد أشكال الخصخصة، دون فرض لوائح لضمان الإتاحة الشاملة لهذه المستشفيات، مثل وضع سقف للأسعار.

كتبت هيومن رايتس ووتش إلى وزارتَي التعليم والصحة المصريَّتين في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025 لمشاركة نتائجها، لكنها لم تتلق أي رد.

الحق في كل من التعليم والرعاية الصحية منصوص عليهما في القانون الدولي، بما يشمل “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، و”الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”، و”اتفاقية حقوق الطفل”، وجميعها صادقت عليها مصر.

مصر مُلزمة باتخاذ خطوات مدروسة وملموسة ومحددة الأهداف، بأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ينبغي لمصر ضمان التعليم الابتدائي المجاني، وكذلك توافر الرعاية الصحية عالية الجودة للجميع، بغض النظر عن القدرة على الدفع.

التدابير التراجعية المتعمدة، مثل خفض مصر الإنفاق على العناصر الأساسية التي تمس بحقوق التعليم والرعاية الصحية، تشكل على الأرجح انتهاكا لالتزاماتها ما لم يتم تبريرها تبريرا كاملاة. وبموجب القانون الدولي، فإن مصر ملزمة أيضا بحماية الحق في الصحة من خلال ضمان ألا تهدد الخصخصة في قطاع الصحة توافر الرعاية الصحية، وإمكانية الحصول عليها، ومقبوليتها، وجودتها.

قال مجدي: “بتقاعسها المنهجي عن الوفاء بمتطلبات الإنفاق الدستورية على التعليم والصحة لسنوات عدة، تهمل الحكومة القطاعات الأساسية التي تخلق العيش الكريم للمواطنين والازدهار الاقتصادي. هذا التقاعس لسنوات عدة يظهر أن حديث الحكومة عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مجرد كلام معسول”.

قد يعجبك ايضا