يواجه الممثل الفلسطيني معتز ملحيس، بطل فيلم ‘صوت هند رجب’، مفارقة قاسية أعادت الجدل السياسي إلى أروقة المحافل السينمائية العالمية. فقد أعلن ملحيس رسمياً عدم تمكنه من حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2026 في مدينة لوس أنجلوس، رغم الإنجاز التاريخي الذي حققه الفيلم بوصوله إلى القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم وثائقي.
ويعود سبب هذا الغياب القسري إلى قرار اتخذته الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، يقضي بمنع حاملي وثيقة السفر الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة. هذا الإجراء حال دون وصول الممثل الذي جسد معاناة غزة إلى المنصة العالمية التي تحتفي بالعمل الفني الذي شارك في بطولته.
وعبر حسابه الرسمي، وثق ملحيس هذه اللحظة بكلمات مؤثرة، مشيراً إلى أن الفيلم الذي يحمل قصة كان العالم بحاجة لسماعها سينافس على الجائزة بدونه. وأكد الممثل الفلسطيني أن منعه من الدخول بسبب جنسيته هو واقع مؤلم، لكنه شدد على أن الحواجز السياسية لن تنجح في تغييب الصوت الفلسطيني أو طمس الحقيقة.
وتتجلى في هذا المنع مفارقة تراجيدية تعيد إنتاج حصار الطفلة هند رجب بصورة سياسية معاصرة؛ فالممثل الذي أدى دور المسعف الذي حاول كسر الحواجز لإنقاذ الطفلة، يجد نفسه اليوم محاصراً بقرار استهدف هويته الوطنية. هذا العزل السياسي يمثل امتداداً رمزياً للحواجز التي أعاقت وصول طواقم الإسعاف لإنقاذ هند في قطاع غزة.
يستند الفيلم، الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، إلى وقائع حقيقية لجريمة قتل الطفلة هند رجب في يناير 2024. وقد علقت الطفلة داخل سيارة تعرضت لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال أثناء فرار عائلتها، لتصبح مكالمة استغاثتها مع الهلال الأحمر واحدة من أكثر التسجيلات تأثيراً في التاريخ الحديث.
ويقدم العمل رؤية فنية تمزج بين الدراما والوثائقي على مدار 89 دقيقة، مستخدماً التسجيلات الصوتية الحقيقية للمكالمة. ويشارك في البطولة طاقم متميز يضم سجى الكيلاني وعامر حليحل وكلارا خوري، بدعم إنتاجي من نجوم عالميين مثل براد بيت وخواكين فينيكس وألفونسو كوارون.
منذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، حقق الفيلم نجاحاً استثنائياً وحصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم ‘الأسد الفضي’. وقد تلقى العمل تصفيقاً حاراً من الجمهور والنقاد استمر لأكثر من 20 دقيقة، مما مهد طريقه للمنافسة بقوة في مهرجانات تورونتو وسان سيباستيان وصولاً للأوسكار.
يأتي منع ملحيس في سياق قرار سياسي أمريكي تم توقيعه في ديسمبر 2025، يقضي بعدم منح تأشيرات دخول للأشخاص الذين يستخدمون وثائق سفر صادرة عن السلطة الفلسطينية. ودخل القرار حيز التنفيذ مطلع عام 2026 بذريعة اعتبارات ‘الأمن القومي’، مما أثار انتقادات حقوقية واسعة اعتبرت القرار استهدافاً مباشراً للهوية الفلسطينية.
ولا يعد ملحيس المبدع الأول الذي يُحرم من حضور منصات السينما العالمية بسبب السياسات الأمريكية؛ فقد سبق وأن واجه المصور السوري خالد الخطيب والمخرج فراس فياض قرارات مشابهة. وتكشف هذه الحالات المتكررة عن حجم القيود السياسية التي تلاحق الفنانين والمبدعين من مناطق النزاع، وتحول دون إيصال رسائلهم الإنسانية.
إن حالة معتز ملحيس تضيف فصلاً جديداً إلى سجل غزة الحاضر بقوة في نقاشات هوليوود منذ أحداث السابع من أكتوبر. ورغم غيابه الجسدي عن الحفل، يظل صوته في الفيلم صرخة حية ضد سياسات العزل، وتجسيداً لفكرة أن ‘منع الوصول’ يظل الأداة الأشد فتكاً في محاولة تغييب الحقائق الإنسانية.




