سلّطت جولة عرض الصحف الضوء على ثلاث مقاربات متباينة في صحف غربية كبرى، جمعتها أسئلة كبرى حول مستقبل الحقوق والديمقراطية، وأدوار القوى الدولية في النزاعات، والتحولات العميقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على مسارات العمل والحياة.
واستهلت الجولة بافتتاحية صحيفة لوموند الفرنسية التي توقفت مطولاً عند التقرير السنوي لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” حول أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، واصفة التقرير الصادر في الرابع من فبراير/شباط 2026 بالقاتم، ومعتبرة أنه يوثق مسار تراجع واضحاً تشهده الديمقراطية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، ضمن سياق عالمي أوسع يشهد تآكلاً متسارعاً للقيم الديمقراطية.
ورأت الصحيفة أن ما أورده التقرير من توسع في صلاحيات السلطة التنفيذية وتقليص آليات الضبط والتوازن يعكس، وفق توصيف المنظمة، تحوّلاً مقلقاً نحو ممارسات ذات طابع استبدادي، مشيرة إلى أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة أواخر 2025 أعادت تعريف الحقوق بشكل ضيق، محصورة في اعتبارات سيادية واقتصادية داخلية، على حساب منظومة الحقوق والحريات العامة.
وساقت لوموند أمثلة على هذا التراجع، من بينها تجاوزات شرطة الهجرة، والهجمات المتكررة على القضاة ووسائل الإعلام، إلى جانب توسيع نطاق الجرائم الفيدرالية التي يُعاقب عليها بالإعدام بدعم من الإدارة الأمريكية والمحكمة العليا، معتبرة أن هذه المؤشرات لم تنشأ مع ولاية ترامب الأولى، لكنها تحولت في عهده إلى نموذج يُستشهد به عالمياً، ما يستدعي، بحسب الافتتاحية، تحالفاً دولياً واسعاً للدفاع عن حقوق الإنسان في مواجهة “السلطة التعسفية”.
وفي صحيفة ذا هيل الأمريكية، نُشر مقال للكاتب جيمس إل. جونز تناول فيه الدور الأمريكي في إعادة تشكيل المشهد السوري بعد سنوات من الحرب، محذراً من أن ماضي رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، رغم الترحيب الذي حظي به من الرئيس ترامب، لا يزال يثير مخاوف في أوساط سياسية بواشنطن من تداعيات إعادة دمج الدولة السورية تحت قيادته.
واعتبر الكاتب أن التحولات التي شهدتها سوريا منذ أواخر 2024 فرضت مقاربة أمريكية جديدة، صاغها ترامب ونفذها مبعوثه توم باراك، تقوم على الاعتراف بالوقائع المستجدة، بما في ذلك نهاية حكم بشار الأسد، وتراجع نفوذ تنظيم الدولة، وبدء مسار إعادة الاندماج الداخلي والتطبيع الحذر، مع دعم مشروط للحكومة الجديدة بوصفها، في نظر حلفاء واشنطن وشريحة واسعة من السوريين، الفرصة الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.
وأوضح جونز أن السياسة الأمريكية، رغم الانتقادات، تجنبت الانخراط المفتوح، واقتصرت على دعم عسكري واستخباراتي لقوات الدفاع السورية ضد تنظيم الدولة على مدى سنوات، معتبراً أن الوضع الراهن، على هشاشته، يبقى أفضل من خمسة عشر عاماً من الحرب والانقسام، وإن كان لا يزال محفوفاً بمخاطر كبيرة تتطلب جهداً طويل الأمد.
أما صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، فقد ذهبت في اتجاه مختلف، متناولة التأثير المتنامي للذكاء الاصطناعي على سوق العمل، حيث رأى الكاتب بيل جيرلي أن هذه التحولات قد تشكل فرصة حقيقية لجيل شاب لإعادة التفكير في خياراته المهنية واتباع شغفه، بدلاً من الارتهان لمسارات تقليدية لم تعد مضمونة.
واستند المقال إلى دراسة أُجريت بالتعاون مع باحثين من كلية وارتون، شملت أكثر من عشرة آلاف شخص في الولايات المتحدة، وأظهرت أن ستة من كل عشرة عبّروا عن ندم مهني، فيما قال أكثر من 40 في المئة إنهم كانوا سيختارون مهنًا مختلفة تماماً لو أُتيحت لهم فرصة البدء من جديد، وهي نتائج انسجمت مع تقارير سابقة أظهرت انخفاض مستويات الاندماج الوظيفي وارتفاع ما يُعرف بـ“الاستقالة الصامتة”.
وخلص الكاتب إلى أن القلق المتزايد لدى الأسر بشأن مستقبل أبنائها المهني مفهوم، لكنه دعا إلى مقاربة مختلفة تقوم على دعم الفضول واكتشاف الإمكانات، في عالم باتت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يختصران مسافات التعلم ويقلبان مسلّمات المهن “الآمنة”، مؤكداً أن الرهان على الشغف قد يكون، على المدى الطويل، خياراً أقل مخاطرة مما يبدو.





