شهدت العاصمة التونسية الجمعة إجراءات أمنية وإدارية حالت دون إقامة فعاليات وأنشطة تضامنية مع القضية الفلسطينية، في خطوة وصفتها هيئة أسطول الصمود بأنها مفاجئة وغير مسبوقة.
وأكدت الهيئة أن المنع جاء دون تقديم أي توضيحات رسمية من الجهات المعنية، مما أثار حالة من الاستياء في الأوساط الشعبية والحقوقية الداعمة للمقاومة.
ونظم أعضاء الهيئة وقفة احتجاجية مساء الخميس وسط العاصمة تونس، تعبيراً عن رفضهم لسياسة التضييق التي طالت ندوة صحفية وفعاليات رمزية كانت مقررة. ورفع المشاركون في الاحتجاج شعارات تؤكد على استمرار دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته في وجه حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة منذ أشهر طويلة.
وأفادت مصادر بأن المنع بدأ مساء الأربعاء حينما منعت السلطات إقامة حفل تكريمي في ميناء سيدي بوسعيد، ليتجدد المنع يوم الخميس ويطال نشاطاً كان مقرراً في إحدى قاعات السينما الخاصة. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تمثل تحولاً لافتاً في التعامل الرسمي مع التحركات الشعبية المناصرة لفلسطين في تونس.
وقالت جواهر شنة، عضو هيئة الأسطول إن التحضيرات والتدريبات كانت تجري على قدم وساق لإطلاق الأسطول الجديد، إلا أن المنع المتكرر يشير إلى ضرب حقيقي للنشاط الداعم للقضية. وأضافت أن هذا التوجه يتزامن مع تغيرات في الخطاب الدبلوماسي التونسي، خاصة في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة التي تشهدها المنطقة.
وأشارت شنة إلى أن الهيئة عاهدت نفسها على عدم إغلاق صفحة الإبادة في غزة التي يحاول العالم طيها، مؤكدة أن الدفع نحو كسر الحصار سيستمر عبر القوافل والتحركات الاحتجاجية. وشددت على أن نهج الهيئة هو المقاومة حتى التحرير الكامل، معتبرة أن إسناد فلسطين يجب أن يترجم إلى مواقف سياسية وأفعال ملموسة على الأرض.
من جانبه، اعتبر وائل نوار، عضو الأسطول أن منع الأنشطة لليوم الثاني دون مبررات يعد مؤشراً خطيراً على التراجع عن مربع دعم القضية الفلسطينية الذي ميز تونس خلال العامين الماضيين. ولفت نوار إلى أن التوافق الذي كان قائماً بين الموقفين الشعبي والحكومي يبدو أنه يواجه تحديات جديدة ناتجة عن ضغوط أو حسابات إقليمية معقدة.
دعمنا للقضية الفلسطينية سيبقى وسيظل غير مشروط بأي موازنات سياسية ومهما كان الظرف، ولن نتخلى عن عهدنا بإسناد غزة.
ويرى ناشطون أن الظرف الإقليمي المتغير بعد استهداف قوى دولية وإقليمية قد ألقى بظلاله على مواقف بعض الأنظمة العربية التي بدأت تشعر بالذعر. وأوضح نوار أن التراجع عن دعم المقاومة في هذا التوقيت الحساس يخدم أجندات الاحتلال الساعية لعزل قطاع غزة عن عمقه العربي والإسلامي.
وفي سياق متصل، انتقد صلاح الدين المصري، عضو الهيئة، البيان الأخير لوزارة الخارجية التونسية، واصفاً إياه بأنه يبتعد عن الموقف المبدئي الذي اتخذته تونس منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى. وأشار المصري إلى أن منع الاحتجاجات أمام السفارات الأجنبية والتضييق على فعاليات الأسطول يصب في خانة الانحياز للضغوط الخارجية.
وأكد المصري أن قوة الحكومات تستمد من شعوبها، وأن الشعب التونسي لن يتخلى عن التزاماته التاريخية تجاه الحق الفلسطيني مهما بلغت الضغوط. وشدد على أن الاحتجاجات ستستمر ولن تتوقف، لأن القضية الفلسطينية تمثل بوصلة ثابتة لا تخضع للموازنات السياسية العابرة أو التهديدات الدولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه أسطول الصمود العالمي للإبحار مجدداً نحو قطاع غزة في نيسان المقبل، بمشاركة نشطاء من أكثر من 150 دولة. ويهدف الأسطول الذي يضم نحو 100 سفينة وقارب إلى كسر الحصار البحري المفروض على القطاع وإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة للسكان المحاصرين.
يذكر أن تونس كانت قد سجلت مواقف قوية منذ بداية العدوان على غزة، حيث اعتبر الرئيس قيس سعيد أن التطبيع خيانة عظمى وفتح المجال أمام المسيرات الشعبية الكبرى. إلا أن التطورات الأخيرة أثارت تساؤلات حول مدى صمود هذا الموقف أمام المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة العربية.
وتستمر حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة مخلفة حصيلة ثقيلة من الشهداء والجرحى، في ظل دمار هائل طال معظم البنية التحتية والمرافق الحيوية. ويؤكد القائمون على أسطول الصمود أن تحركهم هو رد فعل طبيعي وضروري أمام صمت المجتمع الدولي وعجز المنظمات الأممية عن وقف المجازر اليومية.




