حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من مخططات إسرائيلية أميركية لإعادة تشكيل قطاع غزة كحيّز منزوع السيادة المالية، عبر تجريده من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى نموذج “اقتصاد رقمي” تمسك مفاتيحه جهات خارجية متحالفة مع إسرائيل، بما يحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب، ويجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لقرارات أمنية وتقديرات عسكرية.
وأوضح المرصد في بيان له الأحد أن هذه التوجهات برزت بعد أكثر من عامين من الحصار المالي، مشيرًا إلى تصريحات أدلى بها رجل الأعمال الإسرائيلي والضابط السابق في وحدة الاستخبارات 8200 ليران تانكمان خلال فعالية في واشنطن، تحدث فيها عن ضرورة “استعادة اتصال غزة الرقمي والاقتصادي”، وطرح تصورًا لإنشاء “عمود فقري رقمي آمن” يتيح المدفوعات الإلكترونية والخدمات المالية والتعليم، إلى جانب نظام لوجستي مستوحى من منصات التجارة الكبرى مثل Amazon، بما يعني نقل الاقتصاد من نطاق الحقوق إلى فضاء التحكم التشغيلي والأمني.
واعتبر المرصد أن تقديم “المحافظ الرقمية” كمدخل لإعادة الإعمار يشكّل غطاءً لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان وتعميق التبعية الاقتصادية، إذ يتيح تحويل التكنولوجيا المالية إلى أداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، في ظل غياب سيادة فلسطينية على البيانات والأنظمة وشروط التشغيل والاعتراض.
وأكد أن إخضاع الوصول إلى الموارد المالية لسلطة أمنية، مباشرة أو غير مباشرة، يفرغ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من مضمونها، وينتهك قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر العقاب الجماعي واستخدام التجويع وسيلة حرب، كما يقوض التزامات حماية المدنيين وضمان وصولهم إلى احتياجات البقاء.
وأعرب المرصد عن مخاوف جدية من أن يتحول أي نظام مالي رقمي خاضع لإسرائيل إلى أداة ابتزاز واسعة، خاصة بحق الصحافيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، عبر تجميد المحافظ بقرارات أحادية أو وسم الأفراد بتصنيفات أمنية فضفاضة تعلّق وصولهم إلى أموالهم من دون رقابة مستقلة أو مسارات طعن فعالة.
وأشار إلى أن نمط التصنيف الأمني الواسع المستخدم ضد الفلسطينيين قد يتحول في إطار هذه المنظومة إلى سلاح مالي مباشر، يحرم أفرادًا من الوصول إلى مواردهم ويضعهم تحت ضغط دائم، على غرار القيود المفروضة على التنقل والسفر للعلاج بذريعة “عدم الحصول على الموافقة الأمنية”.
ولفت إلى أن حصر تطوير خدمات الإنترنت المتقدمة في مناطق محددة مثل ما يسمى “رفح الجديدة”، بالتوازي مع خطط إعادة إعمار جزئية، يعزز المخاوف من استخدام التكنولوجيا لإعادة تشكيل التوزيع السكاني وفرض وقائع ديموغرافية قسرية، بحيث تصبح الخدمات الرقمية امتيازًا جغرافيًا مشروطًا لا حقًا عامًا.
وبيّن المرصد أن إسرائيل تمنع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إدخال العملات النقدية إلى غزة، وفرضت حصارًا ماليًا أدى إلى إغلاق فروع البنوك خلال الإبادة الجماعية، ورغم عودة بعضها إلى العمل جزئيًا لم تسمح بإدخال النقد، ما أعاق خدمات السحب وأبقى القطاع في دائرة شلل مالي.
وطالب برفض أي ترتيبات مالية أو رقمية تُفرض تحت الاحتلال أو تُبرم من دون سيادة فلسطينية فعلية وتمثيل مدني مستقل وآليات رقابة وطعن ملزمة، مؤكدًا أن أي نظام يمنح القوة القائمة بالاحتلال قدرة الوصول أو التعطيل أو التجميد سيبقى أداة سيطرة غير قانونية مهما أُحيط بخطاب إنساني أو تنموي.
ودعا إلى إخضاع أي منظومة رقمية لتدقيق مستقل منتظم في الخصوصية والأمن السيبراني والأثر الحقوقي، ونشر نتائجه علنًا، مع الإفصاح الكامل عن الممولين والمشغلين والمتعاقدين، وضمان بدائل آمنة غير رقمية وعدم جعل المحفظة الرقمية شرطًا للحصول على الخدمات، إلى جانب إنشاء آليات طعن مستقلة بآجال قصيرة وولاية قضائية واضحة، وتمكين سلطة فلسطينية مدنية مستقلة من إدارة النظام المالي والتقني بعيدًا عن سيطرة الاحتلال، والتأكيد أن أي مسار اقتصادي ذي معنى يفترض رفع القيود غير المشروعة على المعابر وتدفق النقد والسلع والاتصالات، لا استبدال الحصار المادي بحصار رقمي “ذكي” يعيد إنتاج التبعية والانتهاكات.




