الولايات المتحدة: أوقفوا الاعتقالات القمعية المتعلقة بالجامعات
(واشنطن) – قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن على الحكومة الأمريكية وقف سعيها إلى اعتقال وترحيل الطلاب والباحثين الدوليين تعسفا على نطاق واسع، انتقاما من آرائهم السياسية ونشاطهم المتعلق بفلسطين. تكشف تصريحات الإدارة وإجراءاتها أن مبرراتها للاعتقالات وعمليات الترحيل المزمع تنفيذها غير مشروعة وغير صحيحة.
تأتي موجة الاعتقالات الأخيرة ضمن حملة قمع أوسع تستهدف الطلاب والأكاديميين غير الأمريكيين. قالت الإدارة، التي تسعى إلى معاقبة النشاط المؤيد لفلسطين في الجامعات الأمريكية وردعه، إنها ألغت مئات التأشيرات الطلابية. تزعم وزارة الأمن الداخلي، بدون أي تفسير موثوق، أن نشاط الطلاب والباحثين يضر بالسياسة الخارجية الأمريكية.
قال جون رافلنغ، المدير المشارك لبرنامج الولايات المتحدة في هيومن رايتس ووتش: “اعتقال الطلاب والأكاديميين غير الأمريكيين وترحيلهم بسبب تعبيرهم عن آرائهم السياسية يخلق مناخا من الخوف في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. تشكّل تصرفات إدارة ترامب اعتداء على حرية التعبير وتهدد الركائز الأساسية للمجتمع الحر”.
في 25 مارس/آذار 2025، اعتقل عملاء فيدراليون مقنَّعون ويرتدون كنزات سوداء بغطاء للرأس رُمَيسا أوزتورك، وهي طالبة دكتوراه تركية في “جامعة تافتس” حاصلة على “منحة فولبرايت” وتأشيرة دراسة، على الرصيف المحاذي لمنزلها في إحدى ضواحي بوسطن واحتجزوها. نقلتها الحكومة الفيدرالية آلاف الكيلومترات، إلى مركز احتجاز في لويزيانا، وقالت إنها تنوي ترحيلها.
قال مسؤولون في وزارة الأمن الداخلي إن أوزتورك “ضالعة في نشاطات تدعم حماس”، على ما يبدو بسبب مشاركتها في كتابة مقالة رأي في صحيفة طلابية، تدعو جامعة تافتس إلى “الاعتراف بالإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين” وسحب استثماراتها المتصلة بإسرائيل.
في 8 مارس/آذار، اعتقلت وزارة الأمن الداخلي محمود خليل واحتجزته، وهو متخرج حديث من “جامعة كولومبيا” يحمل إقامة دائمة شرعية في الولايات المتحدة. احتُجز خليل ووُضع على قائمة الترحيل ليس بسبب اتهامه بارتكاب أي جريمة، إنما بسبب مشاركته في احتجاجات في حرم الجامعة متعلقة بالقتال في غزة. سعت الوزارة أيضا إلى اعتقال يونسيو تشونغ وترحيلها، وهي طالبة في جامعة كولومبيا، تحمل جنسية كوريا الجنوبية ومقيمة دائمة وشرعية في الولايات المتحدة، حيث تعيش منذ طفولتها.
عمّت الاحتجاجات الجامعات الأمريكية خلال الأشهر التي تلت الهجوم بقيادة “حماس” على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعمليات الجيش الإسرائيلي في غزة. مع ارتفاع أعداد القتلى في غزة وسط انتهاكات حقوقية جسيمة ارتكبها الجيش الإسرائيلي، انتشرت الاحتجاجات في الجامعات، واعتُقل أكثر من 3 آلاف طالب في ربيع 2024. شكّلت الاحتجاجات نقطة توتّر خلال الانتخابات الرئاسية في 2024.
عندما كان مرشحا، ساوى ترامب، في ادعاء غير صحيح، بين الاحتجاجات ضد القصف الإسرائيلي الشديد على غزة ومعاداة السامية ودعم الإرهاب. هدد بأنّ “أي طالب يحتجّ، سأطرده من البلاد”. تضمن برنامج “الحزب الجمهوري” تعهدا “بترحيل المتطرفين الداعمين لحماس، وجَعْل جامعاتنا آمنة ووطنية مجددا”.
بعد توليه الرئاسة، قال الرئيس ترامب: “إلى جميع المقيمين الأجانب الذين شاركوا في التظاهرات الداعمة للجهاديين… سنجدكم، وسنرحّلكم”. بعد اعتقال خليل، كتب الحساب الرسمي لـ “البيت الأبيض” على “إكس”: “شالوم محمود”، وأعلن بدء حملة ضد “المتعاطفين مع الإرهاب”. ونشر الرئيس ترامب على حسابه الشخصي: “هذا الاعتقال الأول وسيليه الكثير”. قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الإدارة قد ألغت بالفعل تأشيرات “مئات” الطلاب.
تزعم إدارة ترامب أن من حقها إلغاء الوضع القانوني للمهاجرين اعتمادا على مادة من “قانون الهجرة والتجنيس” لعام 1952 تسمح لوزير الخارجية بتحديد إن كان تواجد شخص ما في البلاد “يضر بمصلحة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية”. تستخدم إدارة ترامب هذا المنطق القانوني فعليا دون أي شرح جدي أو النظر في كل حالة على حدة، ما عدا الاستناد إلى الاحتجاجات والآراء السياسية للأشخاص المستهدفين.
التأكيد على السلطة غير المقيَّدة بهذا الشكل يتناسب مع نمط معين، يتمثل في ترحيل الإدارة مؤخرا 137 فنزويليا يعيشون في الولايات المتحدة إلى سجن في السلفادور دون محاكمة بموجب قراءة إشكالية لـ “قانون الأعداء الأجانب” لعام 1798. تزعم الإدارة أن هذا القانون يسمح لها بترحيل المواطنين الفنزويليين الذين يُعتبرون أعضاء في عصابة تُدعى “ترين دي أراغوا”، تدّعي الإدارة أنها مرتبطة بالحكومة الفنزويلية.
في تصريح له دلالات، قال نائب وزير الأمن الداخلي تروي إدغار أن سبب ترحيل خليل المرتقب هو “النشاط الداعم للفلسطينيين”، ورفض الإجابة عن سؤال ما إذا كان التظاهر بحد ذاته هو سبب الترحيل. لم يُدَن خليل بأي جريمة ولم تعاقبه جامعة كولومبيا. إلا أنه بعد اعتقال خليل بوقت طويل، قالت وزارة الخارجية إنه أخفى معلومات على طلب الـ “غرين كارد” (الإقامة الدائمة) الخاص به. اعتُقلت تشونغ بسبب مشاركتها في اعتصام ثم أُطلق سراحها، لكنها لم تُدَن بأي جريمة. يبدو أن أوزتورك أيضا لم تفعل أي شيء غير المشاركة في كتابة مقالة رأي.
هذه الممارسات مع المهاجرين تعكس نمط الإدارة في الضغط على الجامعات لإسكات الاحتجاجات المتعلقة بالحرب المستمرة في غزة. هددت الإدارة بوقف التمويل الحكومي وإجراء تحقيقات من قبل وزارة العدل إن لم توقف الجامعات النشاط المتعلق بفلسطين في الجامعات. طالَبَ مسؤولون الجامعات بتقديم أسماء وجنسيات المتظاهرين والنشطاء إلى أجهزة الأمن.
لدى الولايات المتحدة تاريخ طويل وحافل فيما يتعلق بالمناصرة والاحتجاجات بشأن فلسطين. قالت المنظمة غير الحكومية “بالستاين ليغال” إنها استجابت لأكثر من 1,700 شكوى “أحداث إلغاء” لـ “الخطاب الداعم لحقوق الفلسطينيين” بين 2014 و2020.
معاقبة الأشخاص على ممارسة حقهم في حرية التعبير والتجمع تشكل انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان. “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، الذي صادقت الولايات المتحدة عليه في 1992، يعطي غير المواطنين الحق أن تكون لهم آراء ويعبّروا عنها.
تكتسب هذه الحقوق أهمية خاصة في الإطار الأكاديمي. علاوة على ذلك، النظريات القانونية للإدارة الحالية شكلت الأساس لمحاولة تجاوز الحمايات القانونية التي يتمتع بها عادة المقيمون الشرعيون، الذين يواجهون الترحيل من الولايات المتحدة.
قال رافلنغ: “تدّعي إدارة ترامب أن لها سلطة معاقبة المعارضين غير المواطنين وترحيلهم متى شاءت بدون إظهار أي تبرير ذي مغزى. هذه الأفعال لا تنتهك حقوق المستهدَفين فحسب، بل تشكل أيضا تهديدا أوسع بكثير للحق في حرية التعبير، إذ تدفع الآخرين إلى الصمت عبر الترهيب”.