العفو الدولية: الإفلات من العقاب يكرّس الفوضى في ليبيا

شارك

حذّرت منظمة العفو الدولية من أن مرور 15 عاماً على انتفاضة الليبيين ضد حكم معمر القذافي لم يفضِ إلى مساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة، بل رسّخ نمطاً ممنهجاً من الإفلات من العقاب يغذّي الانتهاكات والجرائم المشمولة بالقانون الدولي، ويُبعد العدالة وجبر الضرر عن متناول الضحايا وذويهم.

وأكدت المنظمة أن السلطات الليبية المتعاقبة أخفقت في تفكيك الشبكات المسلحة المتورطة في القتل والتعذيب والإخفاء القسري، بل منحت بعضها تمويلاً وشرعية ودمجت عناصرها في مؤسسات الدولة من دون تدقيق فعلي، ما عمّق دوامة العنف وانعدام سيادة القانون. وقال محمود شلبي، الباحث المعني بمصر وليبيا في المنظمة، إن السماح للمشتبه في مسؤوليتهم عن جرائم دولية بالإفلات من المساءلة “خيانة للناجين وترسيخ لمسار لا يُظهر مؤشرات على الانحسار”.

ورغم إحالة مجلس الأمن حالة ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية في فبراير/شباط 2011، لم يُسلَّم إلى المحكمة سوى مشتبه واحد من أصل 14. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، سلّمت ألمانيا خالد محمد علي الهشري (المعروف بـ“البوطي”)، العضو البارز في جهاز الردع بطرابلس، إلى المحكمة بموجب مذكرة توقيف تتضمن اتهامات بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب على خلفية انتهاكات في سجن معيتيقة.

وتشير المنظمة إلى أن ثمانية ليبيين لا يزالون مطلوبين بموجب مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة، فيما ترفض سلطات غرب وشرق البلاد اعتقالهم أو تسليمهم. كما خاطبت المنظمة في 2 فبراير/شباط 2026 النائب العام الليبي للاستفسار عن مصير أسامة المصري نجيم، القيادي السابق في جهاز الردع، وعبد الباري عياد رمضان الشقاقي، المرتبط بجماعة الكانيات، من دون تلقي رد حتى تاريخ البيان.

القتل بدل المساءلة

وثّقت المنظمة نمطاً متكرراً من قتل مشتبه في تورطهم بانتهاكات، ما يحرم الضحايا من الحقيقة والإنصاف. ففي 3 فبراير/شباط 2026 قُتل سيف الإسلام القذافي في ظروف غامضة، بعد أن كان مدعياً عليه أمام المحكمة الجنائية الدولية منذ 2011 بتهم تشمل القتل والاضطهاد. كما قُتل محمود الورفلي، القائد الميداني السابق في القوات الخاصة التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية، في 2021 بعد صدور مذكرة توقيف بحقه بتهم جرائم حرب. وفي مايو/أيار 2025، قُتل عبد الغني الككلي “غنيوة” في طرابلس، وهو قائد ميليشيا سبق أن وثّقت المنظمة انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات خاضعة له.

تقاعس قضائي ورفض للتسليم

ترى المنظمة أن نظام العدالة الليبي غير قادر وغير راغب في التحقيق بفعالية في جرائم الميليشيات النافذة، مشيرة إلى استمرار محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية ووجود انتهاكات لحقوق المحاكمة العادلة. وفي يوليو/تموز 2025 نشرت وزارة العدل بحكومة الوحدة الوطنية بياناً – حُذف لاحقاً – يؤكد رفض تسليم مواطنين ليبيين إلى المحكمة الجنائية الدولية، استناداً إلى عدم انضمام ليبيا إلى نظام روما الأساسي.

كما لم تُحرز السلطات تقدماً ملموساً في ملاحقة قادة جماعة الكانيات، الذين صدرت بحق ستة منهم مذكرات توقيف في أكتوبر/تشرين الأول 2024 لارتكابهم جرائم قتل جماعي وتعذيب وإخفاء قسري وتهجير قسري في ترهونة، إذ ما زالوا طلقاء أو لم يُسلَّموا إلى المحكمة.

وختمت منظمة العفو الدولية بدعوة السلطات الليبية إلى تعاون فعلي مع المحكمة الجنائية الدولية، وتسليم المطلوبين، وضمان محاكمات عادلة لجميع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية، بما يكفل حق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، ويضع حداً لدائرة الإفلات من العقاب المستمرة منذ أكثر من عقد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً