تغرق السودان في حرب أهلية دامية بين القوات الحكومية ومجموعات متمردة، خلّفت واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم، إذ أُجبر نحو 12 مليون شخص على الفرار من ديارهم، داخل البلاد وخارجها، فيما يجد كثيرون ملاذا هشّا في تشاد، حيث تتكدس المخيمات بآلاف الفارين من العنف.
ورغم اتساع حجم الكارثة، لا تحظى الأزمة السودانية بالاهتمام الدولي الكافي، في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب على المدنيين، إذ يواجه نحو 26 مليون شخص خطر الجوع، مع اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي تشهد تراجعا ملحوظا، بعد خفض مساهمات دول أوروبية وتفكيك برامج حيوية، من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
في مخيمات اللجوء شرق تشاد، يعمل موظفون إنسانيون في ظروف شديدة القسوة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة. هناك، يحاول ساني أكيلو، العامل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ضمان توفير المياه وخدمات الصرف الصحي، في بيئة تفتقر إلى التمويل اللازم، حيث لا تتجاوز مياه الشرب كونها مياها ملوثة، فيما تغيب المرافق الصحية الأساسية عن آلاف اللاجئين. ومع اعتماد نحو 40 ألف شخص على مضخات مياه تعمل بمولدات متهالكة، تتزايد المخاطر الصحية، خصوصا مع تسجيل إصابات أولية بالكوليرا، ما ينذر بكارثة أوسع إذا استمر انتشار العدوى عبر المياه غير الآمنة.
ولا تقل أزمة التعليم خطورة، إذ تحذر شارلوت لوبينيك، المسؤولة عن هذا القطاع في المفوضية، من تداعيات حرمان مئات الآلاف من الأطفال من الدراسة، مؤكدة أن فقدان التعليم في هذه المرحلة قد يرسخ الفقر لأجيال قادمة. ورغم ذلك، تعاني المدارس داخل المخيمات نقصا حادا في المستلزمات الأساسية، من كتب وأقلام ومقاعد، في ظل اكتظاظ شديد قد يتجاوز 100 تلميذ في الصف الواحد، إلى جانب تأخر رواتب المعلمين لأشهر، ما يزيد من هشاشة العملية التعليمية.
في موازاة ذلك، أدت التخفيضات الكبيرة في تمويل الإغاثة إلى تقليص الحصص الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، بينما شهدت ميزانيات الطوارئ الدولية، بما في ذلك التمويل الألماني، تراجعا حادا، الأمر الذي يفاقم معاناة اللاجئين ويحدّ من قدرة المنظمات على الاستجابة.
وسط هذا المشهد القاتم، تكشف الأزمة في السودان عن فجوة متزايدة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والاستجابة الدولية، ما يضع ملايين المدنيين أمام واقع قاسٍ، حيث يتقاطع النزاع مع الجوع والمرض، في انتهاك صارخ للحقوق الأساسية في الغذاء والصحة والحياة الكريمة.





