الأورومتوسطي: هدم إسرائيل منشآت أونروا يفرض وقائع ضمّ فعلي في القدس الشرقية

شارك

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن هدم السلطات الإسرائيلية منشآت تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية المحتلة يُشكّل انتهاكًا جسيمًا لالتزامات إسرائيل كسلطة احتلال، ويعكس سياسة منهجية تستهدف تقويض عمل الأمم المتحدة ووكالاتها، وتقليص حضورها ودورها في المدينة، بما يخدم فرض وقائع ميدانية وإدارية جديدة تُكرّس السيطرة الإسرائيلية وتُضيّق على السكان الفلسطينيين وحقوقهم.

وكانت قوة إسرائيلية ترافقها جرافات اقتحمت صباح اليوم الثلاثاء مقر وكالة أونروا في حي “الشيخ جراح” بمدينة القدس، وشرعت بهدم منشآت داخله، بحضور وإشراف وزير الأمن القومي الإسرائيلي “إيتمار بن غفير.”

وفي تعبيرٍ صريح عن دعم المستوى السياسي الإسرائيلي لتدمير وتقويض منظمة أممية، وصف “إيتمار بن غفير” ما يجري بأنه “يوم تاريخي، يوم عيد، ويوم بالغ الأهمية لحكم القدس لسنوات طويلة… تواجد هؤلاء الداعمون للإرهاب هنا، واليوم يُطردون من هنا مع كل ما بنوه، هذا ما سيحدث لأي داعم للإرهاب”، وفق تعبيره.

الهدم وما رافقه من تصريحات يعد خطوة مقصودة لإعادة تعريف أونروا من وكالة أممية تتمتع بالحماية والحصانة الدولية إلى “خصم” تُسحب عنه الشرعية عبر وصمه بالإرهاب

وقال المرصد الأورومتوسطي إن الهدم وما رافقه من تصريحات يعد خطوة مقصودة لإعادة تعريف أونروا من وكالة أممية تتمتع بالحماية والحصانة الدولية إلى “خصم” تُسحب عنه الشرعية عبر وصمه بالإرهاب، بما يفتح الباب لتطبيع استهدافها واستهداف أي حضور دولي مستقل، مضيفًا أن ذلك يشكّل اختبارًا مباشرًا لحدود الردع الدولي ومحاولة عملية لكسر مبدأ الحصانة الأممية وصناعةِ سابقة تُفيد بأن إسرائيل تستطيع الاعتداء على ممتلكات الأمم المتحدة دون كلفة.

وفي القدس تحديدًا، شدّد الأورومتوسطي على أن الفعل يحمل دلالة سيادية معلنة ترمي إلى تثبيت الضمّ الفعلي وفرض وقائع نهائية عبر تقليص أي عنوان أممي يذكّر بوضع المدينة كأرض محتلة وبملف اللاجئين وحقوقهم. وفي الوقت نفسه، تُستخدم تعابير “اليوم التاريخي” و”هذا ما سيحدث لأي داعم للإرهاب” كرسالة ردع وترهيب تستهدف المنظمات الدولية والحقوقية التي قد توثق الانتهاكات أو تعيق هذا المسار، وكأداة تعبئة داخلية لتكريس العداء للأمم المتحدة ووكالاتها والمؤسسات الدولية بعمومها تحت غطاء سياسي صريح.

وقال المرصد الأورومتوسطي إن هدم المقر لا يُفهم بمعزل عن الغاية التي يخدمها، بل يمثّل خطوة تمهيدية لإخلاء الموقع لصالح مشروع استيطاني واسع، في إطار سياسة ممنهجة تقوم على تفريغ القدس الشرقية من حضورها الفلسطيني وإحلال وقائع سكانية جديدة بالقوة. وأوضح أن هذه الممارسات تندرج ضمن أنماط النقل القسري والتغيير الديمغرافي المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، مشيرًا إلى وجود مخططات إسرائيلية لبناء 1440 وحدة استيطانية على موقع المنظمة الأممية، قرب مستوطنة “جفعات هتحموشت.”

ونبه المرصد الأورومتوسطي إلى أن وصف موظفي الأونروا ومنشآتها بالإرهاب يعتبر خطاب كراهية رسمي، ويهدف إلى نزع الشرعية عن العمل الإنساني، وتهيئة الرأي العام لتبرير المزيد من الانتهاكات الجسيمة، في سياق أوسع من التحريض والتجريم المتعمد للمنظمات الدولية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس المحتلة.

وأشار الأورومتوسطي إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق تصعيد متدرّج خلال الأيام الماضية ضد مرافق أونروا في القدس الشرقية؛ إذ سبقتها بأيام مداهمة القوات الإسرائيلية مركزًا صحيًا تابعًا للوكالة، وإصدار أمر بإغلاقه لمدة 30 يومًا، مؤكداً أن هذا التسلسل الزمني يعكس نهجًا مقصودًا لتضييق عمل وكالة أممية وإلغاء حضورها وعملها الميداني، في تحدٍّ مباشر لالتزامات سلطة الاحتلال بموجب القانون الدولي، وللمكانة القانونية للأمم المتحدة ووكالاتها.

وشدد على أن هدم منشآت الأونروا يأتي ضمن تصعيد إسرائيلي متواصل ضد المنظمة الأممية، شمل إقرار الكنيست في أكتوبر/تشرين أول 2024 قانونين يحظران عملها ويمنع التواصل الرسمي معها، وقرار الحكومة الإسرائيلية في ديسمبر/كانون أول 2025 قطع المياه والكهرباء عن جميع مقراتها، واعتبار أنشطتها غير قانونية.

يأتي ذلك في وقت باتت فيه أونروا غير قادرة، إلى حدٍّ كبير، على الاضطلاع بولايتها في الأرض الفلسطينية المحتلة بفعل القوانين والإجراءات الإسرائيلية الجديدة، ولا سيما فيما يتصل بتقديم المساعدات الإنسانية والتعليم والرعاية الصحية وسائر الخدمات الأساسية التي تُعد شريان حياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، نصفهم من الأطفال. ويؤدي هذا التعطيل الممنهج إلى حرمانهم من حقوقهم الأساسية وتقويض مقومات بقائهم، وبخاصة في قطاع غزة، حيث يواجه ملايين الفلسطينيين، غالبيتهم من اللاجئين، خطرًا وشيكًا على حياتهم نتيجة سياسات التجويع والحرمان من الرعاية الطبية ومن المواد الأساسية المنقذة للحياة، بالتوازي مع استمرار عمليات القتل والاستهداف وإحداث الإصابات والمعاناة الشديدة.

ويعتبر الأورومتوسطي أن إصرار إسرائيل على إضفاء الصبغة القانونية على إجراءاتها المتلاحقة منذ سنوات ضد أونروا يشكل إعلان حرب على مجتمع اللاجئين، وهم من أكثر الفئات ضعفًا وحاجة للدعم الإنساني في المجتمع الفلسطيني، في وقت تواصل فيه إسرائيل منعهم من العودة إلى ديارهم وأراضيهم التي هجروا منها قسرًا، وتشهد فيه الظروف المعيشية لغالبيتهم تدهورًا خطيرًا على كافة المجالات بفعل جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من عامين ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وعملياتها العسكرية والحصار الشامل في الضفة الغربية.

كما أشار إلى سلسلة من الهجمات الأخرى، بما في ذلك قتل عشرات الموظفين بالأونروا وتدمير وقصف مئات المقرات والمدارس التابعة لها في قطاع غزة بما يشكل صفحة سوداء في تاريخ النظام العالمي، وعلى رأسه الأمم المتحدة التي تتعاجز اليوم عن حماية حتى وكالاتها وساحات عملها وقراراتها.

وشدد الأورومتوسطي على أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا لالتزامات إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال، وتكشف عن سياسة متكاملة تهدف إلى شل قدرة الأونروا على أداء ولايتها، ودفعها قسرًا إلى الانسحاب من الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، تمهيدًا لإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والمؤسسي في المدينة المحتلة.

وشدد على أن تدمير مقر أونروا في القدس الشرقية، وهي أرض فلسطينية محتلة، يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أن تطبيق القوانين الإسرائيلية عليها يشكل بحد ذاته انتهاكًا لقواعد القانون الدولي والتزامات إسرائيل بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، وذلك كما أشارت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الأخير بخصوص عدم قانونية الوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

وأكد أن هدم منشآت أونروا واقتحام مقرّها في القدس الشرقية وإغلاق مرافقها يتعارض مباشرةً مع ما قرره الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بشأن “التزامات إسرائيل إزاء وجود وأنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى” في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ إذ أكدت المحكمة أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال وعضوًا في الأمم المتحدة، مُلزمة بالتعاون بحسن نية مع الأمم المتحدة، وضمان الاحترام الكامل لامتيازاتها وحصاناتها وممتلكاتها وموظفيها، وواجبها أن تُيسّر عمل وكالات الأمم المتحدة، بما فيها أونروا، لا أن تعرقله أو تُجفّفه أو تُخضعه لإجراءات تقويضية. وبالتالي، فإن الهدم والإغلاق والإشراف السياسي المصاحب لهما يُعدّان عرقلةً فعليةً لولاية أممية ومسًّا بحماية ممتلكات منظمة دولية، وهو نقيضٌ صريح لواجب “التيسير” الذي شددت عليه المحكمة في الإقليم المحتل، بما في ذلك القدس الشرقية.

ونبه المرصد الأورومتوسطي إلى أن الإجراءات الإسرائيلية تنتهك بشكل مباشر اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، ولا سيما المادة الثانية التي تنص على تمتع الأمم المتحدة وممتلكاتها بالحصانة الكاملة من الولاية القضائية، والمادة ذاتها التي تؤكد حرمة مبانيها وحظر التفتيش أو الاستيلاء أو المصادرة أو نزع الملكية أو أي إجراء قسري بحقها.

وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية أكدت بوضوح أن أي إجراء تنفيذي أو إداري أو تشريعي يستهدف ممتلكات وأصول الأمم المتحدة محظور قانونًا، وأن تطبيق القانون الإسرائيلي في القدس الشرقية المحتلة غير مشروع، كما أكدت المحكمة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 التزام إسرائيل بتسهيل عمل أونروا وضمان وصولها الإنساني.

وذكّر المرصد الأورومتوسطي بما سبق أن أعلنه المفوض العام للأونروا من تعرض الوكالة لأشهر من المضايقات الإسرائيلية المنظمة، شملت هجمات حرق متعمدة خلال عام 2024، وتحريضًا إعلاميًا ممنهجًا، وتشريعات معادية، واقتحام المقر ذاته قبل نحو شهر، وإنزال علم الأمم المتحدة ورفع العلم الإسرائيلي، وهي ممارسات تعكس بيئة عدائية تهدف إلى كسر الحصانة الأممية بالقوة.

ودعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، إلى اتخاذ تدابير مؤسسية فورية لحماية مقارّها وموظفيها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يشمل اعتماد بروتوكولات أمنية واضحة وملزمة، وتعزيز حضور أممي رقابي ميداني في المواقع المعرّضة للاستهداف، وضمان التوثيق الرسمي الفوري لأي اعتداء أو تدخل قسري في منشآت الأمم المتحدة، إلى جانب إحاطة عاجلة للأجهزة الأممية المختصة لاتخاذ إجراءات عملية تمنع تكرار الانتهاكات وتضمن احترام حرمة المقرات والحصانات الأممية.

وشدد على أن الصمت الدولي على ما يجري يشرعن استباحة العمل الإنساني الأممي بالقوة، مطالبًا بتفعيل آليات المساءلة الدولية، وعدم الاكتفاء بالإدانات اللفظية، ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب التي تشجع إسرائيل على مواصلة انتهاكاتها دون رادع.

وطالب المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل بتنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بشكل كامل، بما يشمل إعادة فتح المقرات المغلقة، وإعادة إيصال الكهرباء والمياه، ووقف أي مصادرة أو هدم لممتلكات الأمم المتحدة، وضمان استمرار عمل أونروا دون عوائق، ووقف أي تدابير تعرقل دخول الإمدادات أو حركة الموظفين أو الوصول إلى المقرات، وتأمين ممرات آمنة لفرق الأمم المتحدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي بإدراج ملف استهداف منشآت الأمم المتحدة وموظفيها ضمن التحقيق القائم لدى المحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل تحديد المسؤولية على مستوى القيادة السياسية والعسكرية وسلسلة القيادة، وملاحقة كل من أصدر الأوامر أو سهّل أو شارك أو تقاعس عن منع هذه الاعتداءات.

كما دعا إلى إلزام إسرائيل بتقديم تعويضات كاملة وإصلاح الضرر، بما في ذلك إعادة إعمار ما دُمّر من منشآت أممية، وضمان جبر الضرر للموظفين والضحايا وأسرهم بصورة فعّالة وشاملة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً