الأورومتوسطي: على سوريا الكشف فورًا عن مصير معارض إماراتي ومنع تسليمه للإمارات

أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه العميق على مصير المعارض الإماراتي “جاسم راشد الشامسي” بعد اعتقاله وإخفائه قسريًا على يد الأجهزة الأمنية السورية، في ظل مخاوف جدّية من احتمال تسليمه إلى الإمارات، حيث يواجه أحكامًا جائرة بالسجن المؤبد على خلفية نشاطه السياسي السلمي.

وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم إنّ أجهزة الأمن السورية أوقفت “الشامسي” في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري على أحد الحواجز الأمنية في ريف دمشق، ونقلته إلى مقرّ فرع الأمن السياسي في منطقة الفيحاء بدمشق، حيث انقطعت أخباره بالكامل منذ ذلك الحين، وترفض السلطات الإفصاح عن أي معلومات بشأن مكان احتجازه أو مصيره أو وضعه القانوني.

وأكّد الأورومتوسطي أنّ امتناع السلطات السورية عن الكشف عن مكان احتجاز “الشامسي” أو عن وضعه القانوني، وما يقترن بذلك من حرمانه من أي تواصل مع عائلته أو بمحامٍ يختاره، يضعه فعليًا خارج حماية القانون ويحقّق عناصر جريمة الاختفاء القسري وفقًا للاتفاقية الدولية ذات الصلة، ويُشكّل انتهاكًا جسيمًا للضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة.

وذكر أنّه تابع إفادة “رغدا كيوان”، زوجة المعارض “الشامسي”، إذ أوضحت أنّها كانت رفقة زوجها في السيارة لحظة إيقافه على الحاجز الأمني على الطريق السريع الجنوبي بريف دمشق، ورافقته أثناء نقله إلى مقر الأمن السياسي بالفيحاء، لكن عناصر الأمن لم يسمحوا لها بالمكوث في المكان، وأبلغوها أنّ زوجها لن يحتجز طويلًا، وأنّ توقيفه مجرد إجراء مؤقت.

وبحسب زوجة “الشامسي”، لم يقدّم عناصر الأمن أي تفسير واضح لتوقيف واحتجاز زوجها، ورفضوا حتى في مرحلة لاحقة الاعتراف بوجوده في أي من المقرات الأمنية، إذ استمرت بشكل يومي تقريبًا بالتردد على المقرات الأمنية وأفرع السجون والمواقع ذات العلاقة، وتواصلت مع مسؤولين في وزارة الداخلية، ولكنّ جميع المحاولات لمعرفة مصيره أو مكان احتجازه باءت بالفشل، ولم تستطع حتى الآن تلقي أي معلومة بشأن مصيره.

وقالت “كيوان” إنّ زوجها دخل إلى سوريا رفقتها وأطفالهما من خلال وثيقة الإقامة التركية في شهر يناير/ كانون الثاني من العام الجاري عقب سقوط نظام بشار الأسد، وأجرى الإجراءات الرسمية اللازمة لتصحيح وضعه القانوني في البلاد لتصبح إقامته شرعية، مؤكدة أنّهم يعيشون في البلاد بصفة رسمية، ولا يمكن الربط بين إخفائه قسرًا وبين وضعهم القانوني في البلاد.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ المعارض الإماراتي “جاسم الشامسي” يُعدّ من ضحايا المحاكمات الجماعية ذات الطابع السياسي في الإمارات، إذ يواجه حكمًا غيابيًا بالسجن المؤبد صدر في يوليو/ تموز 2024 ضمن قضية “الإمارات 84” التي اتُّهم فيها عشرات النشطاء بارتكاب جرائم تتعلق بالإرهاب على خلفية نشاطهم السلمي، فضلًا عن حكم سابق بالسجن 15 عامًا صدر بحقه في يوليو/ تموز 2013 في إطار قضية “الإمارات 94” المرتبطة بالدعوة السلمية للإصلاح.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ عملية اعتقال “الشامسي” في سوريا شابتها مخالفات جسيمة، إذ جرت دون إبراز أي مذكرة توقيف أو توجيه تهمة محددة إليه، ودون احترام الضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة، في مخالفة صريحة للمادة (18) من الإعلان الدستوري السوري الصادر في مارس/ آذار 2025، والتي تنص على أنّه “باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي”.

وأشار الأورومتوسطي أن هذا الاعتقال التعسفي يشكل انتهاكًا للالتزامات الواقعة على عاتق سوريا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبصفتها دولة طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة (9) منه، وإلى جانب المادة (9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللتين تحظران الاعتقال والاحتجاز التعسفي وتُلزمان ببيان أسباب التوقيف وتمكين المحتجز من الطعن في قانونية احتجازه أمام سلطة قضائية مستقلة، فضلًا عن القواعد العرفية المستقرة التي تفرض احترام الضمانات الأساسية للإجراءات القانونية الواجبة، بما في ذلك بيان أسباب التوقيف وتمكين المحتجز من الطعن في قانونية احتجازه أمام سلطة قضائية مستقلة.

وحذّر المرصد الأورومتوسطي من أنّ إصرار السلطات السورية على احتجاز “الشامسي” في عزلة تامة عن العالم الخارجي، وامتناعها المستمر عن الكشف عن مكان وجوده أو توضيح وضعه القانوني، لا يفاقم فقط بشكل خطير المخاطر المحيطة به، بل يخلق أيضًا بيئة مباشرة لارتكاب انتهاكات جسيمة إضافية، من بينها الشروع في إجراءات غير قانونية لنقله أو تسليمه إلى دولة يُعلَم مسبقًا أنّه يواجه فيها خطرًا حقيقيًا بالتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الاحتجاز التعسفي.

وأشار إلى أنّ السجل المثقل للإمارات في انتهاك حقوق المعارضين السلميين، واعتمادها المحاكمات الجائرة التي تفتقر إلى أبسط ضمانات العدالة، يجعل أي خطوة باتجاه تسليمه إجراءً يتم عن علم كامل بالمخاطر المحدقة به، ويعرّض السلطات السورية لمسؤولية قانونية محتملة عن الإسهام في تلك الانتهاكات.

وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ السلطات السورية الجديدة، في ظل المرحلة الانتقالية التي تلت إسقاط النظام السابق، مُلزَمة بإحداث قطيعة فعلية مع ممارسات الإخفاء القسري والتسليم التعسفي التي عانى منها السوريون لعقود طويلة، وأنّ استمرار هذه الممارسات يثير مخاوف جدّية من بقاء أنماط الانتهاكات السابقة بدل تحقيق انتقال فعلي نحو منظومة قائمة على العدالة وسيادة القانون، بما قد يشكّل تراجعًا مقلقًا عن قيم حماية الإنسان التي يُفترض أن توجّه المرحلة الجديدة.

وأشار الأورومتوسطي إلى أنّ احتجاز وإخفاء المعارض الإماراتي “جاسم الشامسي” في سوريا يشكّل انتهاكًا مباشرًا للمعايير الدولية الملزِمة، بما في ذلك الحظر المطلق للاختفاء القسري كما كرّسته الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وقواعد القانون الدولي العرفي، فضلًا عن التزامات سوريا بصفتها دولة طرفًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيّما ما يتصل بحظر الاعتقال التعسفي والتعذيب ووضع الأشخاص خارج حماية القانون، ومبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في المادة (3) من اتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يحظر تسليم أي فرد إلى دولة يُرجَّح أن يتعرّض فيها لخطر التعذيب أو الاضطهاد السياسي، محذرًا من أنّ المعطيات المتوفرة حول وضع “الشامسي” تجعل من أي خطوة لنقله إلى الإمارات إجراءً محظورًا قانونًا، لما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة على سلامته الجسدية والقانونية.

ودعا المرصد الأورومتوسطي السلطات السورية إلى الإفراج الفوري عن “جاسم الشامسي” وإنهاء احتجازه التعسفي ووضعه الحالي خارج حماية القانون، أو، في حال الادعاء بوجود أساس قانوني لحرمانه من حريته، تقديمه دون تأخير إلى سلطة قضائية مختصة ومستقلة للنظر في قانونية احتجازه وفقًا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

كما دعاها إلى الكشف العاجل عن مصيره ومكان احتجازه وضمان سلامته الجسدية والقانونية، وتمكينه فورًا من التواصل مع عائلته ومحامٍ يختاره، وفتح تحقيق جدي في ظروف توقيفه وإخفائه، والامتناع كليًا عن اتخاذ أي إجراءات قد تؤدي إلى نقله أو تسليمه إلى دولة يواجه فيها خطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، والتأكيد على الالتزام الصارم بمبدأ عدم الإعادة القسرية وبالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان.

قد يعجبك ايضا