أطفال اليمن ضحايا صراع بلا أفق

شارك

بين هدنة معلنة وصراع لم يضع أوزاره، يواصل أطفال اليمن دفع الثمن الأفدح لحرب ممتدة منذ أكثر من عقد، في مشهد إنساني تتداخل فيه آثار القتال مع الفقر والنزوح والجوع وحرمان الملايين من أبسط حقوقهم في الحياة والتعليم والصحة، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو جماعة الحوثي.

ورغم التهدئة التي أعلنتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022، فإن سقوط ضحايا من الأطفال لم يتوقف، بفعل هشاشة الوضع الأمني، واستمرار الاشتباكات المتقطعة، وانتشار الألغام ومخلفات الحرب، ما جعل الطفولة في اليمن رهينة مخاطر يومية لا تنتهي.

أرقام ثقيلة

وتظهر إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أنه منذ اندلاع الصراع عام 2015، قُتل أو أُصيب أكثر من 11 ألفا و500 طفل، بينهم نحو 3900 قتيل، و7600 مصاب بإعاقات دائمة أو مؤقتة، في واحدة من أكثر الأزمات دموية بحق الأطفال في العالم.

وتحذر المنظمة من أن غياب تسوية سياسية شاملة يبقي 18.2 مليون شخص، من بينهم 9.8 ملايين طفل، في حاجة ماسّة إلى تدخلات إنسانية عاجلة لإنقاذ حياتهم.

وفي الشهر الماضي، أعلنت منظمة “أنقذوا الأطفال” مقتل أو إصابة 349 طفلا خلال عام 2025، بزيادة بلغت 70% مقارنة بعام 2024، الذي سُجلت فيه 44 حالة وفاة و161 إصابة، فيما ارتفع العدد في 2025 إلى 103 قتلى و246 مصابا.

وأشارت المنظمة إلى أن الغارات الجوية كانت العامل الأبرز في ارتفاع أعداد الضحايا، بعد أن تسببت وحدها بمقتل أو إصابة ما لا يقل عن 155 طفلا خلال العام الماضي، موضحة أن غارات جوية نفذها الجيش الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول أسفرت عن مقتل 103 أطفال ضمن 427 مدنيا، دون توفر بيانات دقيقة بشأن ضحايا الغارات الأميركية البريطانية.

عسكرة الطفولة

ويُعد تجنيد الأطفال جريمة حرب بموجب اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري، واتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي هذا السياق، اتهمت منظمة “سام” للحقوق والحريات أطراف الصراع، وعلى رأسها جماعة الحوثي، باتباع سياسة ممنهجة لتجنيد الأطفال، ووصفت ذلك بأنه انتهاك خطير للمعايير الدولية.

وبحسب بيانات المنظمة، جرى تجنيد 11 ألفا و310 أطفال في 19 محافظة يمنية بين عامي 2014 ونهاية 2023، من بينهم 6269 طفلا تتراوح أعمارهم بين 8 و11 عاما، و580 طفلا بين 12 و14 عاما، و4461 طفلا بين 15 و17 عاما.

خارج المدرسة

وتشير بيانات حكومية يمنية إلى أن نحو 3 ملايين طفل حُرموا من التعليم بسبب تدمير أو تضرر قرابة 3000 مدرسة، بينما تؤكد اليونيسيف أن أكثر من 3.7 ملايين طفل في اليمن خارج المدرسة، نصفهم في المرحلة الثانوية.

وتقول المنظمة إن اليمن يواجه أزمة تعليمية حادة، إذ قد يصل عدد الأطفال المتأثرين باضطرابات العملية التعليمية إلى 6 ملايين طالب وطالبة، مع تبعات خطيرة طويلة الأمد على مستقبل البلاد.

ووفقا لليونيسيف، تأثر 10.6 ملايين طالب بالنزاع، بعد تدمير أو تضرر 2916 مدرسة أو استخدامها لأغراض غير تعليمية، فيما لم يتلق أكثر من ثلثي المعلمين، البالغ عددهم نحو 172 ألفا، رواتب منتظمة منذ عام 2016، ما دفع أعدادا كبيرة منهم إلى ترك مهنة التدريس.

كما أدت جائحة كورونا إلى إغلاق المدارس بين عامي 2019 و2021، ما عطّل تعليم 5.8 ملايين طالب، بينهم 2.5 مليون فتاة، في وقت كان فيه نحو مليوني طفل خارج التعليم أصلا قبل الجائحة.

سوء تغذية يهدد الحياة

وتفيد تقارير دولية بأن 2.2 مليون طفل في اليمن يعانون سوء التغذية الحاد، من بينهم 540 ألف طفل دون الخامسة يواجهون خطر الموت.

وقال رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر إن 17 مليون يمني يعانون الجوع، بينهم أكثر من مليون طفل مصاب بسوء تغذية حاد يهدد حياتهم، محذرا من أن العدد قد يرتفع إلى 1.2 مليون طفل مطلع عام 2026.

وأكدت اليونيسيف أن طفلا من كل طفلين دون سن الخامسة يعاني سوء التغذية، إضافة إلى 1.4 مليون امرأة حامل ومرضعة يعانين من الحالة ذاتها.

فجوة تمويل خانقة

وتشكو المنظمات الدولية من نقص حاد في التمويل، إذ تؤكد اليونيسيف أن خطة الاستجابة لعام 2025 لم تُموّل سوى بنسبة 25%، ما يهدد استمرار الحد الأدنى من الخدمات.

وخلال العام الماضي، قدمت المنظمة دعما لآلاف المرافق الصحية، وساعدت 600 ألف طفل يعانون سوء التغذية، وشغّلت عشرات الفرق المتنقلة، غير أنها تحذر من أن نحو 8 ملايين شخص قد يُحرمون من الرعاية الصحية الأولية إذا استمر العجز المالي.

وفي ظل هذه الأوضاع، يعيش نحو 1.5 مليون نازح في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط تراجع مستمر في الخدمات الإنسانية، ما ينذر بمستقبل قاتم لجيل كامل من أطفال اليمن، في غياب حلول سياسية وإنسانية جادة تنهي واحدة من أطول المآسي المعاصرة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً