تصارع بين ضرورة الأمن والتضييق على الحريات في الأردن

بعد نحو عام على وقف نقابة المعلمين في الاردن عن العمل واغلاق مقراتها لمدة عامين، ما زال هناك كثير من التعسف في قضية النقابة والمعلمين.

لقد شهد الأردن في الفترة الأخيرة، أحداثاً مقلقة تضمنت، حملة اعتقالات وترويع للمعلمين، أضافة إلى الاستقواء على الناشطين في هذه القضية.

حمل المعلم “رامز البطران” علم بلاده بين يديه وانطلق وحيدا، من أمام فرع نقابة المعلمين بمدينة إربد شمال المملكة، إلى مقر النقابة الرئيسي في العاصمة عمان، في مسيرة احتجاجية على إغلاق نقابة المعلمين واعتقال أعضاء المجلس.

وبعد مسيره نحو 10 كلم يقول “البطران”: “أوقفتني الأجهزة الأمنية وأنا أسير وحيدا على جنب الشارع، لا أحمل أية شعارات سياسية، وتمت إحالتي للحاكم الإداري ليقرر توقيفي في سجن باب الهوى شمال الأردن، استنادا لقانون منع الجرائم”.

وتابع: “تم إيقافي من قبل محافظ إربد مرتين، واستمر التوقيف لمدة شهر بذات القانون، ودون تهمة محددة سوى احتجاجي على حل نقابة المعلمين واعتقال مجلس إدارتها، وكان يتم ربط الإفراج عني بكفالة بلغت في إحدى المرات نصف مليون دينار (700 ألف دولار)”.

وتساءل “البطران”: “لماذا يتم تطبيق قانون منع الجرائم على المعلمين المحتجين بشكل سلمي؟ إذ زاد عدد الموقوفين من المعلمين على ذات القانون على ألفي معلم خلال العامين الماضي والحالي، وتراوحت مدد توقيفهم من يوم لشهرين”.

ويستند الحكام الإداريون إلى بنود قانون منع الجرائم المعمول به منذ عام 1954 في عملهم بالتوقيف الإداري، والذي يمنحهم السلطة في فرض كفالة، أو حجز أو تقييد حرية الأشخاص الذين يتأكد أن لديهم أفعالا تستوجب اتخاذ إجراءات عقابية بحقهم.

وتنص المادة (3) من القانون على “كل من وُجد في مكان عام أو خاص في ظروف تقنع المتصرف بأنه كان على وشك ارتكاب أي جرم أو المساعدة على ارتكابه أو كل من اعتاد اللصوصية أو السرقة أو حيازة الأموال المسروقة أو اعتاد حماية اللصوص أو إيواءهم أو المساعدة على إخفاء الأموال المسروقة أو التصرف فيها أو كل من كان في حالة تجعل وجوده طليقا بلا كفالة خطرا على الناس”.

المركز الوطني لحقوق الإنسان رفض في تقاريره السنوية أي توقيف إداري خارج نطاق القضاء، ودون قرار من السلطات القضائية المختصة بذلك، لأن التوقيف وحبس الحرية عقوبة، وهذه العقوبة ليست من صلاحيات السلطة التنفيذية.

ويرى رئيس مجلس أمناء المركز ارحيل غرايبة بأن قانون منع الجرائم “يمنح الحكام الإداريين صلاحيات التوقيف، مما يشكل تعديا على صلاحيات القضاء، وعلى الدستور الأردني الذي حدد صلاحيات السلطات”.

وتابع: “جرى توقيف ناشطين لمجرد التعبير عن رأيهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استنادا لقانون منع الجرائم، حيث تم تطويع مواد القانون الفضفاضة ليجري تطبيقها على هؤلاء، وتوسيع صلاحيات الحكام الإداريين على حساب القضاء”.

ووفق تقرير حقوق الإنسان الذي أصدره المركز عن العام 2019، سجل التقرير ارتفاعا بأعداد الموقوفين إداريا حتى وصل لأكثر من 45 ألف شخص، مما شكل انتهاكا لحقوق الموقوفين وتقييدا لحرياتهم، وأدى ذلك لارتفاع نسبة إشغال مراكز الإصلاح والتأهيل إلى 145% من طاقتها الاستيعابية.

في المقابل، هناك الآلاف، ممن طبقت عليهم أحكام القانون بالتوقيف الإداري، ممن شكل لهم ذلك حماية لأرواحهم خاصة في قضايا الثأر، وحماية المجتمع من المجرمين وفارضي الإتاوات، وحماية مستثمرين تم الاعتداء عليهم من قبل خارجين عن القانون، وفق مختصين.

مصدر مسؤول بوزارة الداخلية الأردنية قال إن صلاحيات الحكام الإداريين بـ “التوقف الإداري تسير وفق ما ينص عليه القانون، وضمن أسس ومعايير محددة وواضحة” نافيا وجود “توسع من قبل الحكام الإداريين بعمليات التوقيف الإداري”.

وتابع أن التوقيف يتم بناء على “الخطورة الجرمية للموقوفين، خاصة من مكرري الأعمال الجرمية وأصحاب السوابق الذين يشكلون تهديدا على المجتمع، وهناك توقيف إداري يتم لحماية حياة الموقوف من التعرض للخطر وردات الفعل على أفعال جرمية”.

وأشار المصدر إلى تراجع أعداد الموقوفين إداريا خلال النصف الأول من العام الحالي، والعام الماضي، وقرار وزير الداخلية مازن الفراية الإفراج عن نحو 1500 موقوف قبيل شهر رمضان وعيد الأضحى.

التوقيف الإداري خلال العام الماضي سجل تراجعا بأعداد الموقوفين إداريا بنسبة 40% مقارنة مع 2019، وفق إحصائيات الداخلية.

وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الموقوفين إداريا خلال العام الماضي بلغ 21 ألف شخص، وأنه تم توقيف أكثر من 35 ألفا خلال عام 2019. وشهد عام 2018 توقيف ما يزيد على 34 ألف شخص بمراكز الإصلاح والتأهيل.

ويرجع حقوقيون السبب في تراجع أعداد الموقوفين خلال العام الماضي لتفشي جائحة كورونا بالمملكة، وما رافقها من إغلاقات للمؤسسات والشركات وحظر للتجوال استمر قرابة 3 أشهر.

الناشط الحقوقي باسل الطراونة قال إن حالة الجدل على قضية التوقيف الإداري دائمة ومتكررة، بانتظار جلوس مؤسسات الدولة المعنية والجهات ذات العلاقة من مؤسسات حقوق الإنسان ومجلس النواب ومنظمات المجتمع المدني، للحوار بعمق أكبر في تفاصيل قانون منع الجرائم المطبق منذ 65 عاما.

وتابع الطراونة أن تطبيق الحكام الإداريين للقانون فيه “العديد من الإنجازات أهمها حماية حقوق الموقوفين خاصة المهددين للخطر، وحماية المجتمع الأردني من خطر موقوفين مكررين للجرائم، وبعض الموقوفين والموقوفات كانوا يطالبون بتمديد فترات توقيفهم لما تؤمنه من حماية لهم”.

في المقابل، هناك إخفاقات يجب معالجتها من خلال الحوار بين المؤسسات الرسمية والمؤسسات الحقوقية الأهلية.

اقرأ أيضاً: عام على اغلاق نقابة المعلمين الأردنيين، والانتهاكات بحق حرية العمل النقابي مستمرة

قد يعجبك ايضا