اليمن: الحوثيون يقتلون ويطردون مهاجرين إثيوبيين

بيروت – قالت “هيومن رايتس ووتش” إن قوات الحوثي طردت قسرا آلاف المهاجرين الإثيوبيين من شمال اليمن في أبريل/نيسان 2020 متذرّعة بفيروس “كورونا”، ما أدى إلى مقتل العشرات وإجبارهم على النزوح إلى الحدود السعودية. ثم أطلق حرس الحدود السعوديون النار على المهاجرين الفارين، ما أسفر عن مقتل العشرات، بينما فر مئات الناجين إلى منطقة حدودية جبلية. 

وأفادت هيومن رايتس ووتش أن مهاجرون إثيوبيون قالوا إنه بعد أن تقطعت بهم السبل أياما دون طعام أو ماء، سمحت السلطات السعودية للمئات بدخول البلاد، لكنها احتجزتهم تعسفيا في منشآت غير صحية وسيئة دون أن يستطيعوا الطعن قانونيا في احتجازهم أو ترحيلهم المحتمل إلى إثيوبيا. ربما لا يزال المئات، بمن فيهم الأطفال، عالقين في المنطقة الجبلية الحدودية.

قالت نادية هاردمان، باحثة في شؤون حقوق اللاجئين والمهاجرين في هيومن رايتس ووتش: “التجاهل القاتل الذي أظهرته القوات الحوثية والسعودية تجاه المدنيين أثناء النزاع المسلح في اليمن تَكرّر في أبريل/نيسان مع المهاجرين الإثيوبيين على الحدود اليمنية السعودية. على وكالات “الأمم المتحدة” التدخل للتصدي للتهديدات المباشرة التي يتعرض لها المهاجرون الإثيوبيون والضغط لمحاسبة المسؤولين عن عمليات القتل والانتهاكات الأخرى”.

في يونيو/حزيران ويوليو/تموز، قابلت هيومن رايتس ووتش 19 مهاجرا إثيوبيا، بينهم 13 رجلا وأربع نساء وفتاتان، وهم حاليا في السعودية أو إثيوبيا. جماعة الحوثي المسلحة، التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 في نزاع مسلح انضم إليه تحالف تقوده السعودية في مارس/آذار 2015، تسيطر على مناطق الحدود الشمالية الغربية لليمن لسنوات عديدة.

قال مهاجرون لـ هيومن رايتس ووتش إنه في 16 أبريل/نيسان أو نحو ذلك، اعتقل مقاتلون حوثيون بزي عسكري أخضر بقسوة بالغة آلاف الإثيوبيين في الغار، وهي قرية يقطن فيها بشكل غير رسمي المهاجرون في محافظة صعدة. قوات الحوثي، التي شوهدت بشكل منتظم وهي تقوم بدوريات في المنطقة، أجبرت المهاجرين على ركوب شاحنات صغيرة واقتادتهم إلى الحدود السعودية، واستخدمت الأسلحة الصغيرة والخفيفة لإطلاق النار على أي شخص حاول الفرار.

قال شهود إن مقاتلي الحوثي صرخوا قائلين إن المهاجرين “يحملون فيروس كورونا” وعليهم مغادرة الغار خلال ساعات. قالت امرأة إثيوبية: “أثارت [قوات الحوثي] الفوضى. كان الوقت مبكرا في الصباح [يوم 16 أبريل/نيسان] وطلبوا منا المغادرة في غضون ساعتين. غادر معظم الناس، لكنني بقيت. لكن بعد ساعتين، بدأوا بإطلاق الرصاص والصواريخ – رأيت شخصين يقتلان”.

قالت امرأة أخرى، كانت حامل وتسافر مع طفلها الصغير، إن قوات الحوثي كانت تستخدم “صواريخ” لإخلاء المنطقة: “كان هناك الكثير من جنود الحوثيين. كان هناك أكثر من 50 شاحنة. كانوا يطلقون قذيفة هاون يضعونها على الأرض فتنطلق. بدأ الجميع بالهروب. ركضت مع مجموعة من 45 شخصا – وقتل 40 شخصا في مجموعتي. نجا خمسة منا فقط. لم يكونوا يطلقون الرصاص، فقط قذائف الهاون هذه”.

شهد 12 من المهاجرين الذين قابلناهم عمليات قتل لمهاجرين أو شاهدوا جثثهم، لكن لم يتسنَّ تحديد عدد القتلى. المهاجرون الذين تمكنوا من العودة إلى الغار وجدوا خيمهم ومحيطها مدمرة. راجعت هيومن رايتس ووتش صور الأقمار الصناعية المسجلة مباشرة قبل الهجوم المزعوموأثناءه وبعده، ولاحظت تدميرا واسع النطاق لأكثر من 300 خيمة ومنزل بما يتوافق مع روايات الشهود.

بمجرد أن اقترب المهاجرون على مسافة تتراوح من 100 إلى 200 متر من الحدود، بدأ حرس الحدود السعوديون بالزي الرمادي والبني الفاتح بإطلاق النار عليهم بما وصفه شهود بقذائف الهاون وقاذفات الصواريخ. قالوا إن قوات الحوثيين ردت بإطلاق النار على حرس الحدود السعوديين وعلى أي مهاجر حاول الهروب من فوضى القتال عائدا إلى اليمن.

 

 

تمكن العديد من المهاجرين من الفرار إلى مجرى نهر بالقرب من الجبال حيث لجأوا لمدة وصلت لخمس ليال. وصف الأشخاص الذين قابلناهم سماع أصوات عيارات نارية لمدة يومين على الأقل. في النهاية إما استسلموا أو عثر عليهم حرس الحدود السعوديون. أخذهم حرس الحدود إلى ما وصفوه بـ “معسكريبعد 15 دقيقة عبر الحدود السعودية لعدة ساعات.

استخدمت هيومن رايتس ووتش صور الأقمار الصناعية لتحديد عدة مجمعات عسكرية محتملة تقع على أعالي التلال المطلة على الحدود اليمنية، ما يتماشى مع المواقع التي وصفها الشهود والتي أطلقت القوات السعودية النار منها عليهم.

مئات المهاجرين الإثيوبيين محتجزون في ظروف تعسفية وغير صحية في مركز جيزان لاحتجاز المهاجرين في مدينة جازان، السعودية، بعد طردهم قسرا من اليمن في أبريل/نيسان 2020. © 2020 خاص

قال ثمانية مهاجرين إن حرس الحدود أخذوا أموالهم وملابسهم الإضافية وممتلكاتهم الأخرى. ثم فصل حرس الحدود الرجال والنساء، بما في ذلك العائلات، ونقلوهم خلال الأيام القليلة التالية في سيارات صغيرة وشاحنات صغيرة إلى مركز احتجاز في محافظة الداير بمنطقة جازان في جنوب غرب السعودية. من هناك نُقل المهاجرون إلى مراكز احتجاز أخرى في جازان وجدة.

باستخدام صور الأقمار الصناعية ومجموعات البيانات الجغرافية المكانية وروايات الشهود، حددت هيومن رايتس ووتش مجمعين في الداير ومدينة جازان، عاصمة المنطقة، ويبدو أنهما منشآت لاحتجاز المهاجرين الإثيوبيين.

قابلت هيومن رايتس ووتش ستة رجال إثيوبيين محتجزين حاليا في جازان، وامرأة في “مركز الشميسي” للاحتجاز شرق جدة، وست نساء وفتيات إثيوبيات رُحّلن مؤخرا إلى إثيوبيا في مركز للحجر الصحي في أديس أبابا. احتُجِزوا جميعا في البداية في الداير ثم في مركز احتجاز في جازان.

وصفوا جميعا بشكل متطابق ظروف الاحتجاز السيئة، بما في ذلك الاكتظاظ، والمراحيض المسدودة والطافحة، ونقص الأسرة والبطانيات، ونقص الرعاية الطبية بما في ذلك رعاية ما قبل الولادة للحوامل، وعدم كفاية الطعام والماء، والمراحيض السيئة. ووصفوا مشاكل جلدية خطيرة قالوا إنها ناجمة عن الظروف غير الصحية. قال ثلاثة رجال إن الحراس ضربوهم لشكواهم من الظروف. أكدت صور ومقاطع فيديو لمحتجزين في الداير ومركز احتجاز في جازان روايات الشهود، بما في ذلك مقطع فيديو يُظهر مئات النساء محتشدات في مياه قذرة تصل حتى الكاحل وهن يصرخن ويبكين.

على سلطات الحوثيين التحقيق مع القادة والمقاتلين المسؤولين عن القتل والطرد القسري وغيرها من الانتهاكات ضد المهاجرين الإثيوبيين في محيط الغار، ومعاقبتهم بشكل مناسب.

على الحكومة السعودية التحقيق مع مسؤولي حرس الحدود المسؤولين عن إطلاق النار غير القانوني على المهاجرين الإثيوبيين بالقرب من المنطقة الحدودية ومحاكمتهم بإنصاف. على السلطات السعودية أيضا إنهاء الاحتجاز التعسفي والمسيء لآلاف المهاجرين الإثيوبيين. في غضون ذلك، عليها أن تطلق سراح الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وأن تُحسّن الأوضاع في مراكز الاحتجاز على الفور. ينبغي تطبيق احتجاز المهاجرين كتدبير استثنائي يُلجأ إليه كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة، وفقط إذا كان مبررا لغرض مشروع. لا ينبغي أبدا احتجاز الأطفال لأسباب تتعلق بالهجرة.

قالت هاردمان: “المئات، إن لم يكن الآلاف، من المهاجرين الإثيوبيين يقبعون الآن في مراكز احتجاز مزرية في السعودية أو ما زالوا عالقين على الحدود. على الأمم المتحدة العمل مع السعوديين والإثيوبيين للمساعدة في العودة الطوعية للإثيوبيين المحتجزين أو الذين تقطعت بهم السبل على الحدود”.

درب هجرة الإثيوبيين إلى السعودية

وجدت دراسة غير منشورة عام 2019 أن أكثر من 90% من المهاجرين الذين يمرون عبر اليمن يأتون من إثيوبيا. دفعت مجموعة من العوامل، بما في ذلك الصعوبات الاقتصادية والجفاف وانتهاكات حقوق الإنسان، مئات آلاف الإثيوبيين إلى الهجرة على مدار العقد الماضي، معظمهم يسافرون بشكل غير منتظم بالقوارب عبر البحر الأحمر، ثم برا عبر اليمن إلى السعودية. قدرت “المنظمة الدولية للهجرة ” وصول حوالي 140 ألف مهاجر إلى اليمن في 2019. وثقت هيومن رايتس ووتش في 2019 شبكة من المهربين والمُتاجرين بالبشر، وسلطات في اليمن تقوم باختطاف، واحتجاز، وضرب المهاجرين الإثيوبيين وابتزازهم هم أو أُسَرهم من أجل المال.

عادة ما يقوم المهاجرون الذين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني إلى السعودية بذلك في المنطقة الحدودية الجبلية الفاصلة بين محافظة صعدة اليمنية ومنطقة جازان السعودية. يتم القبض على العديد من الأشخاص وهم يعبرون الحدود أو داخل حدود الدولة. بين مايو/أيار 2017 ومارس/آذار 2019، رُحِّل حوالي 260 ألف إثيوبي، بمعدل 10 آلاف شهريا، من السعودية إلى إثيوبيا وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.

سبق أن وثقت هيومن رايتس ووتش الرحلة المحفوفة بالمخاطر التي يقوم بها المهاجرون من القرن الأفريقي إلى اليمن والسعودية، فضلا عن المعاملة المروعة والانتهاكات ضدهم من قبل أطراف النزاع في اليمن. في 2017، أدى هجوم واضح للتحالف بقيادة السعودية على قارب يُقِّل مدنيين صوماليين قبالة الساحل اليمني إلى مقتل ما لا يقل عن 32 مهاجرا ولاجئا صوماليين على متنه ومدني يمني واحد، في انتهاك لقوانين الحرب. في 2018، وجدت هيومن رايتس ووتش أن مسؤولين حكوميين يمنيين عذبوا، واغتصبوا، وأعدموا مهاجرين وطالبي لجوء من القرن الأفريقي في مركز احتجاز بمدينة عدن الساحلية الجنوبية.

عمليات الإجلاء في الغار في أبريل/نيسان

قال الأشخاص الذين قابلناهم إنهم طردوا جماعيا من المكان الذي كانوا يعيشون فيه والذي أطلقوا عليه اسم “الغار” في 16 أبريل/نيسان أو حوالي ذلك الوقت. تقع المدينة على بعد حوالي كيلومترين من الحدود في السعودية والمعروفة باسم “الغار”، والتي حددت هيومن رايتس ووتش موقعها من خلال صور الأقمار الصناعية والبيانات الجغرافية المكانية والصور الأرضية ومقاطع الفيديو.

وصف من قابلناهم عملية الحوثيين التي طردتهم من البلدة. لم ير “جوهور” (جميع الأسماء مستعارة لحمايتهم) زوجته منذ ذلك اليوم:

صُدمنا، وكان الأمر فظيعا حقا. أحد الأسباب التي ذكرها الجنود [لنا للمغادرة] هو الكورونا. قالوا إنه يجب عليكم الخروج من المدينة وأنتم لستم هنا لتبقوا – أنتم عابرو سبيل. كان الناس [الذين يعيشون] في الغار بالآلاف. أخشى أن أكون قد فقدت زوجتي هناك. عقلي محطم حقا الآن. كان الحوثيون يطلقون النار علينا. جاء الحوثيون بسيارات عسكرية، مثل الشاحنات الصغيرة – كانوا يستخدمون الأسلحة. كان هناك الكثير من الجنود، لكني لا أعرف كم عددهم. ركض الجميع للنجاة بحياتهم.

قال رجل إثيوبي كان يعمل في منشأة صحية في محافظة صعدة أواسط أبريل/نيسان:

حدث ذلك قبل رمضان بأسبوع. رأيت ثمانية أشخاص أصيبوا بجروح خطيرة. فقد اثنان سيقانهما. جاءوا مع جنود الحوثيين. كان الأطباء يقولون، “حولوهم إلى مستشفى آخر”. لكن الجنود لم يرغبوا في مساعدتهم. كان الناس يصرخون من أجل الماء. كان الجرحى يقولون: “يمكننا البقاء على قيد الحياة”، لكنهم كانوا يتحدثون بلغة الأورومو [لغة إثيوبية]. قالوا لهم [قوات الحوثيين]: “هؤلاء الناس مصابون لديهم كورونا، وحياتهم لا تهُم، يجب أن يموتوا ويجب ألا يحكوا حقيقة ما حدث لهم”. أتحدث العربية بطلاقة، وهكذا عرفت ما قالوه. تم استقبالهم في غرفة الطوارئ لكن بعد ذلك تم نقلهم إلى المشرحة. لقد ماتوا جميعا.

أجبر مقاتلو الحوثي الجميع على التوجه نحو الحدود مع السعودية. قال “غابي”:

 كان الحوثيون يدفعوننا من الخلف. حاولنا الركض أمامهم لكن كان هناك جبل أمامنا. كان هناك أشخاص يطلقون النار من أعلى الجبل، من القاعدة السعودية وكانوا يطلقون النار علينا من هناك، وكان آخرون يطلقون النار من الخلف من جانب الحوثيين، لذلك بقينا بين الجبال. كانوا يطلقون الرصاص خلفنا، ثم أطلقوا النار أيضا من القاعدة السعودية، ما أدى إلى إصابة وقتل الكثير من الأشخاص.

قال جوهور: “دفعنا الحوثيون إلى حيث توجد قاعدة الجنود السعوديين. عندها توقفوا خلفهم [الحوثيون]”. قال إن السعوديين أطلقوا النار عليهم لمدة ساعتين بالقرب من القاعدة العسكرية السعودية. قال: “حدث كل هذا في ساعات قليلة. كان السعوديون يطلقون علينا قاذفة صواريخ. رأيت أشخاصا يُصابون ويُقتلون ثم يتدحرجون على الأرض”.

قال “آبي” إن حرس الحدود السعوديين أطلقوا النار على المهاجرين: “كان بإمكاني رؤية السعوديين، وكان معهم بالفعل أسلحة كبيرة. بدت كقذائف هاون. كان اثنان أو ثلاثة أشخاص يقفون حول الأسلحة… بدأوا بإطلاق النار عندما بدأ عدد الأشخاص بالازدياد. كنت مع 150 شخصا عندما بدأوا بإطلاق النار علينا. لم يقل أحد شيئا، تحدثوا من خلال أسلحتهم. كلما تحرك الناس، أطلقوا النار”.

قال الأشخاص الذين قابلناهم إنهم فروا إلى مجرى نهر قريب في الجبال.

“أبي”، الذي أمضى ثلاثة أيام في الجبال قبل أن يعود إلى الغار، وجد مخيّم المهاجرين مدمرا: “حاولت العودة إلى الغار، لكنني رأيت أنهم دمروا الغار. لا يقتصر الأمر على منطقة المهاجرين فحسب، بل يشمل أيضا منازل اليمنيين، فمعظم [هذه] المنازل مبنية من الطوب”.

أكد تحليل هيومن رايتس ووتش لصور الأقمار الصناعية أن هدم البيوت في الغار بدأ في 17 أبريل/نيسان أو حواليه، واستمر حتى 19 أبريل/نيسان، وانتهى حوالي 22 أبريل/نيسان بتدمير حوالي 300 مبنى.

 

 

تلقت هيومن رايتس ووتش وحللت مقاطع فيديو من الأشخاص الذين قابلتهم، والتي تُظهر مئات الأشخاص في الجبال الواقعة بين اليمن والسعودية في منتصف أبريل/نيسان. بقي الناس هناك واستسلموا في النهاية لحرس الحدود السعوديين أو اعترضهم حرس الحدود وسمحوا لهم بدخول السعودية. تحدثت هيومن رايتس ووتش أيضا إلى خمسة رجال تمكنوا من الاختباء ثم شقوا طريقهم عائدين إلى صنعاء.

ذكر تقرير في صحيفة “نيويورك تايمز” في 28 يونيو/حزيران أن نحو 7 آلاف مهاجر ما زالوا محاصرين على الحدود بين اليمن والسعودية. أكد أحد المهاجرين الذين علقوا عند الحدود في 16 يوليو/تموز أن حوالي 600 مهاجر – كثير منهم من النساء والأطفال – كانوا ما زالوا عالقين في ذلك الوقت، على بعد حوالي 10 كيلومترات من الغار، مع وصول محدود إلى الطعام والماء، ولم يبقوا على قيد الحياة إلا بفضل مساعدات من السكان المحليين اليمنيين الذين يعيشون في المنطقة الجبلية.

الاحتجاز في السعودية

احتجاز المهاجرين في مرافق يُرثى لها في السعودية هو مشكلة مستمرة منذ زمن طويل. يوثّق تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في 2014 حول الاتجار بالمهاجرين المسافرين عبر السعودية أو داخلها، استخدام مراكز ترحيل بالقرب من جازان. في 2019، حددت هيومن رايتس ووتش 10 سجون ومراكز احتجاز حيث احتُجز المهاجرون لفترات مختلفة. المراكز الثلاثة الأكثر ورودا [في التقرير] كانت سجن جازان المركزي في جازان، ومركز الشميسي للاحتجاز شرق جدة، حيث يتم تحضير المهاجرين للترحيل، ومركز بالقرب من مدينة الداير في منطقة جازان بالقرب من الحدود. ذكر المهاجرون الذين قابلناهم لهذا التقرير مواقع في جازان، والداير، وجدة.

وصف الذين قابلناهم كيف اقتيدوا في سيارات وشاحنات صغيرة من الحدود السعودية إلى مركز للاحتجاز في الداير، حيث كان الحراس يرتدون الزي الرمادي والبني الفاتح الخاص بحرس الحدود السعودي. حددت هيومن رايتس ووتش مجمع سجون في الداير يتطابق مع وصف الذين قابلناهم.

 

 

وصف “آبي” الظروف في الداير: 

الموت أفضل من العيش هنا [في الداير]. المكان مكتظ للغاية… لم يكن هناك أي مكان. احتُجز جميع الرجال والنساء معا في الليلة الأولى، ثم فصلونا في اليوم التالي. بقيت في الداير سبعة أيام. يقولون إنهم يقدمون ثلاث وجبات يومية، لكنهم في وقت الغداء يجلبون صحن أرزٍّ وعليك أن تجلس مع عشرة أشخاص وتأكل ملعقة أرز من الصحن… في الصباح كنا نحصل على قطعة خبز جافة وكذلك ليلا. لا توجد مياه – لكن لإبقائنا على قيد الحياة، فتحوا قسطل غسيل اليدين في المراحيض لمدة 30 دقيقة لنشرب منها. كانت المراحيض ممتلئة – فاضطررنا لاستخدام جانب من الغرفة كمرحاض – وعشنا في الجانب الثاني.

تحدّثت هيومن رايتس ووتش مع نساء وفتيات قدّرن أن 300 إلى 500 منهنّ احتُجزن في غرفة واحدة شديدة الاكتظاظ بعد فصلهن عن الرجال. راجعت هيومن رايتس ووتش مقاطع فيديو أرسلها شخص محتجز في الداير تظهر فيها مئات النساء تحت سقف شبكي، في مياه آسنة حتى الكاحل، يصرخن ويبكين. قالت “ريشان” التي احتُجزت مع طفلها (عمره سنة) 26 يوما في الداير: 

كان الوضع سيئا للغاية. كانت الغرفة صغيرة للغاية، غير مسقوفة وبدون مرحاض. كانت الحرارة مرتفعة للغاية وانتشرت رائحة كريهة بسبب وضع المرحاض… لم يكن الجنود يتكلمون معنا. حتى عندما قلنا لهم إن إحدانا ستموت، لم يحركوا ساكنا… حاولت ثلاث نساء إنجاب أطفالهن خلال الاحتجاز – أخذوهن إلى المستشفى لكن إحداهن، بكل أسف، لم تعُد مع طفل، إنما عادت وهي تهلوس. احتجزوها لفترة في الداير، وهي الآن في جدة… بقيتُ في الداير 26 يوما… كنت أبكي لأن طفلي كان مريضا للغاية. بكيت لأني أردت أخذه إلى المستشفى.

قالت نساء وفتيات إن وضعهن تحسّن بشكل عام عندما نُقِلن إلى منشأة احتجاز في جازان. حلّلت هيومن رايتس ووتش صور الأقمار الصناعية بموازاة روايات الشهود العيان، ووجدت مجمّعا في مدينة جيزان يشبه بتصميمه وخصائصه الأمنية (بما في ذلك الجدران الداخلية، والأسوار، وأبراج الحراسة، والسياج الخارجي المحمي، ومهبط المروحيات) مركزا لاحتجاز مهاجرين أو سجن. تعتقد هيومن رايتس ووتش أن هذا هو مركز الاحتجاز الذي يُحتجز فيه المهاجرون الإثيوبيون حاليا.

 

 

بالنسبة إلى الرجال، تدهور الوضع عندما وصلوا إلى جازان. قال “دستا”: 

أتشارك الغرفة مع 400 شخص. تبلغ مساحتها نحو 150 متر مربع، ربما ليس أكثر من 200. يعطوننا ثلاث قطع صغيرة من الخبز وليتر ماء واحد يوميا… قطع الخبز صغيرة للغاية. يوجد مرحاض لكنه خارج الخدمة، مع ذلك يستمر الجميع باستخدامه. لم أغادر السجن منذ وصولي. لا توجد علاجات طبية. هناك العديد من المرضى. لا نحصل على ما يكفي من الطعام والمياه والهواء. يجب ألا يعيش أي رجل هكذا. لا يمكننا وصف ما نعيش بالكلمات.

قال الرجال إنهم ينامون في نفس الملابس منذ وصولهم، مع قدر محدود من المياه والرعاية الصحية. تم قياس حرارة الذين قابلناهم عند دخولهم إلى مركز احتجاز جازان، لكنهم لم يخضعوا لأي فحوصات أخرى متعلقة بفيروس كورونا ولم يحصلوا على توجيهات وقائية أو العناية. قال ثلاثة رجال إن حرس السجن ضربوهم لمجرد طلبهم الاهتمام الصحي أو اعتراضهم على ظروف احتجازهم. قال “تيكلي” إنه ضُرب بسبب طلبه مكيف هواء. قال “آبي” إنه كان يُضرب بانتظام بسبب طلبه معاملة أفضل من الحراس:

يصطحبونني إلى الخارج ويضربونني لأنني أطلب أمورا كثيرة… الغرفة حارة جدا. الناس شديدو المرض، وهم يهلوسون – يضربون الجدران؛ لديهم أمراض جلدية تفوح منها روائح كريهة. نحن نفقد الأمل… أنا أصرخ باستمرار، ويضربونني. الخروج مستحيل، لكنهم اصطحبوني يومين إلى الخارج عندما ضربوني. في الغالب يستخدمون حبلا لضربي.

تكلمت هيومن رايتس ووتش مع ست نساء كنّ نُقلن من جازان إلى مركز الشميسي للاحتجاز، بالقرب من جدة حيث ظروف الاحتجاز أفضل لكنها غير ملائمة، ومن هناك أعيدت بضع نساء من اللاتي قابلناهن إلى إثيوبيا. قالت “أميني” إنها نُقِلت بين مراكز الاحتجاز الثلاثة، بدءا من سجن الداير الذي وصلت إليه في 19 أبريل/نيسان، حتى أعيدت إلى إثيوبيا في نهاية المطاف: 

كان سجن الداير الأسوأ. يتألف سجن النساء من مبنيين، أحدهما بدون تكييف. كانت البيئة قاسية جدا. في بعض الأحيان كنا نجمّع مياه الأمطار للنظافة والشرب. يوجد مرحاض لكنه ممتلئ وطافح. أنا حامل في شهري السادس تقريبا. في اليوم الأول قالوا لنا إننا سنكون 200 شخص في الغرفة، لكن في الحقيقة كان هناك أكثر من 400. عندما أمطرت فاض المرحاض وخرجت الديدان علينا.

قالت أميني إنهن نُقلن إلى جازان، حيث زارهن ممثلون عن السفارة الإثيوبية، وسجلوا أسماء النساء الحوامل واللاتي معهن أطفال، وأعادوا 350 منهن إلى إثيوبيا عبر جدة.

يُسجل مكتب المنظمة الدولية للهجرة في إثيوبيا المهاجرين عند وصولهم إلى إثيوبيا من السعودية. في 9 يونيو/حزيران، كانت المنظمة قد سجلت 3 آلاف إثيوبي عائد من السعودية منذ أبريل/نيسان. بالاستناد إلى شهادات المهاجرين التي جُمِعت منذ إصدار البيان، تُقدِّر هيومن رايتش ووتش بأن هناك المئات، إن لكن الآلاف، من المهاجرين الإثيوبيين الذين طُردوا من اليمن في أبريل/نيسان والذين لا يزالون في الاحتجاز في السعودية.

توصيات هيومن رايتس ووتنش:

على السلطات الحوثية التحقيق مع القادة المسؤولين عن عمليات الإخلاء في الغار ومحاسبتهم بشكل مناسب، بما في ذلك عن قتل وجرح المهاجرين؛ والطرد القسري للمهاجرين عند الحدود السعودية-اليمنية.

على السلطات الحوثية العمل مع الوكالات الإنسانية لإرسال بعثة طارئة إلى المنطقة الحدودية مع السعودية للتأكد ما إذا كان هناك مهاجرون إثيوبيون لا يزالون عالقين. ينبغي على الفور نقل جميع المهاجرين الذين يتم إيجادهم إلى مكان آمن وتأمين حصولهم على الرعاية الصحية والحماية.

على الحكومة السعودية التحقيق مع موظفي الأمن المسؤولين عن إطلاق النار على المهاجرين الإثيوبيين عند الحدود مع اليمن ومحاسبتهم أو تأديبهم بشكل مناسب. ينبغي فورا إلغاء جميع أوامر “إطلاق النار بمجرد الرؤية”. على السلطات أيضا التحقيق في مزاعم حدوث انتهاكات في مراكز احتجاز المهاجرين، ومحاسبة أو تأديب المسؤولين عنها بشكل مناسب.

على السلطات السعودية العمل فورا مع السلطات الإثيوبية، والمنظمة الدولية للهجرة، و”المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” (المفوضية)، لتنظيم العودة الطوعية للمهاجرين الإثيوبيين الذين لا يزالون محتجزين والمساعدة في إعادة دمجهم في إثيوبيا، بما يشمل خدمات الدعم النفسي-الاجتماعي وخدمات الصحة العقلية. ينبغي إعطاء المفوضية وصولا كاملا من أجل تقييم أي طلب للحصول على صفة لاجئ وعليها أيضا تقييم إذا ما كانت أي عودة تنظمها الوكالات الإنسانية الأممية تتم طوعا

في غضون ذلك، على السلطات السعودية نقل المهاجرين المحتجزين إلى مراكز تحترم المعايير الدولية، وعليها العمل مع الوكالات الدولية لجعل مراكز الاحتجاز تتماشى مع المعايير الدولية بموجب “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” (“قواعد مانديلا”). على السلطات السعودية فورا تحديد الأطفال وأفراد أسرهم وإطلاق سراحهم، وتأمين بدائل آمنة عن الاحتجاز، يكون للوكالات الإنسانية وصول منتظم إليها. عليها أيضا تحديد الحوامل والمرضعات فورا وإطلاق سراحهن تماشيا مع التوجيهات الدولية الخاصة باحتجاز طالبي اللجوء.

فيما هو أبعد من الأزمة الراهنة، على السعودية التوقيع على “اتفاقية اللاجئين لعام 1951” ، ووضع إجراءات لجوء متجانسة مع المعايير الدولية للأشخاص عديمي الجنسية والأجانب المعرضين لخطر الاضطهاد في بلدانهم الأصلية. على السعودية السماح فورا للمفوضية بممارسة ولايتها عبر السماح لها بتحديد صفة اللاجئين لطالبي اللجوء، وتسهيل حلول مستدامة، بما في ذلك في السعودية، لأولئك المعترف بهم كلاجئين.

وأشادت هيومن ؤايتس ووتش بأنه على أعضاء “مجلس حقوق الإنسان” الإفادة من الدورة الـ46 المقبلة للمجلس في سبتمبر/أيلول لتمديد ولاية “فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين بشأن اليمن” التابع للأمم المتحدة. على المجلس أيضا تعزيز ولاية الفريق وتمكينه بغية جمع، وتوحيد، وحفظ، وتحليل الأدلة، وإعداد الملفات، وتوضيح المسؤولية عن الجرائم الدولية وانتهاكات القانون الدولي الأكثر جسامة المرتكبة في اليمن منذ 2014. 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.